اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
مع تفكك عُرى الأمارة بسبب الثورات والتمردات على عرش الإمارة في عهد الأمير عبد الله بن محمد، أصبحت الفرصة سانحة أمام الممالك المسيحية في الشمال (مملكتي ليون ونافارا) للتوسع جنوبًا وضم أجزاء من الأراضي التي خضعت لسلطان المسلمين في الأندلس، فقامت تلك الممالك بضم جميع الأراضي الواقعة شمال نهر دويرة وشيدت فيها العديد من القلاع لتكون قاعدة لغزو أراضي المسلمين جنوب النهر، وبذلك أصبحت مدن الإسلام الشمالية مثل أسترقة وسمورة وشقوبية وشلمنقة وميراندة معرضة على الدوام لهجمات الممالك المسيحية.
وفي ظل حالة الضعف تلك التي سادت المناطق الشمالية في غياب سلطة الإمارة، آثر الأمير الجديد عبد الرحمن بن محمد إرجاء محاربة الممالك المسيحية حتى تقوى شوكته عن طريق إعادة السيطرة على البلاد وإنهاء التمردات والثورات على عرش الإمارة. إلا أن الأمر لم يطل، ففي عام 304 هـ، بعث الأمير الجديد قائده أحمد بن محمد بن أبي عبدة في جيش إلى الشمال لمهاجمة أراضي مملكة ليون، وعاد منها محملاً بالسبي والغنائم. وفي العام التالي، رد أردونيو الثاني ملك ليون الهجوم عندما هاجم المناطق الشمالية من أراضي المسلمين، فاستجار أهل تلك المنطقة بالأمير، فأنجدهم بجيش كبير يقوده قائده ابن أبي عبدة معظم جنوده من البربر والمرتزقة الذين لا يمكن الوثوق في ولائهم، فحشد لهم أردونيو جيشًا كبيرًا واجههم به عند قلعة شنت إشتيبن في 14 ربيع الآخر من عام 305 هـ، ومع هجوم جيش أردونيو على جيش المسلمين اختلت صفوف المسلمين بعدما فر جند المرتزقة الذين كانوا يشكلون جزءً كبيرًا من الجيش مما تسبب في إلحاق هزيمة كبيرة بجيش المسلمين في تلك المعركة قُتل فيها القائد أحمد بن محمد بن أبي عبدة نفسه.
ومع نهاية نفس العام، تحالف أردونيو الثاني ملك ليون مع سانشو الأول ملك نافارا للهجوم على أراضي المسلمين، فبعث الأمير جيشًا قويًا بقيادة حاجبه بدر بن أحمد ليجاهد بهم جيش التحالف المسيحي، وأنضم لجيش الحاجب العديد من المتطوعين الراغبين في الجهاد. خرج جيش الحاجب بدر من قرطبة في المحرم من عام 306 هـ، والتقى في ربيع الأول بجيش المسيحيين على حدود مملكة ليون ودارت بين الفريقين معركة عظيمة انتهت بنصر كبير لجيش المسلمين.
وبعد عدة أشهر، عادت الممالك المسيحية وهاجمت أراضي المسلمين، فخرج عبد الرحمن بنفسه في المحرم من سنة 308 هـ متجهًا إلى قشتالة، وعبر نهر دويرة وهاجم مدينة وخشمة وقلعة إشتيبن وقلونية ودمرها جميعًا. بعد ذلك، توجه بجيشه لنجدة مدينة تطيلة التي كانت تتعرض لهجمات الممالك المسيحية، وظلّ عبد الرحمن يكتسح المدن والقلاع حتى عبر نهر أبرة، واشتبك لجيشه مع جيش سانشو ملك نافارا، واستطاع عبد الرحمن أن يهزم جيش نافارا، فإضطر سانشو إلى الفرار إلى الجبال. عندئذ، أرسل سانشو إلى أردونيو الثاني ملك ليون يطلب منه أن يساعده على قتال المسلمين، فخرج أردونيو بجيشه لمعاضدة جيش نافارا. استغل ملكا نافارا وليون مرور جيش المسلمين في منطقة جبلية وهاجما مؤخرة الجيش الإسلامي وألحقا به بعض الخسائر، حينئذ أمر عبد الرحمن جيشه بالإسراع في الخروج من تلك المنطقة إلى المنطقة السهلية المجاورة. طمع الملكان المسيحيان في تحقيق نصر كبير على جيش المسلمين، بعدما وجدوا أن جيش المسلمين قد عسكر في منطقة سهلية مفتوحة يسهل مهاجمتها، وفي 6 ربيع الأول من عام 308 هـ، هاجمت جيوش المسيحيون معسكر جيش المسلمين، إلا أن الرياح لم تأت بما تشتهي السفن، فهزم جيوش المسيحيين هزيمة ساحقة في معركة عرفت بمعركة خونكيرا.
وبعد عامين، هاجم أردونيو مدينة ناجرة واستولى عليها، كما هاجم سانشو مدينة بقيرة واستولى أيضًا عليها، بل وقتل زعماء المدينة. غضب عبد الرحمن حين علم بذلك، وسيّر جيشًا بقيادة وزيره عبد الحميد بن بسيل إلى مملكة نافارا حيث اشتبك مع جيش سانشو وألحق به عدة هزائم، واستولى ابن بسيل على تطيلة. ثم خرج عبد الرحمن بنفسه في المحرم من عام 312 هـ إلى نافارا في جيش عرمرم، فوقع الرعب في قلوب أعدائه، وأخلوا معظم الحصون التي في طريقه، فأمر عبد الرحمن بهدم وحرق تلك الحصون، ثم زحف بجيشه على بنبلونة عاصمة نافارا، فحاول جيش نافارا محاولة يائسة أن يوقف ذلك الجيش القوي، لكن دون جدوى، فدخل عبد الرحمن المدينة ودمرها ثأرًا لأهل بقيرة. عاد سانشو محاولاً مواجهة عبد الرحمن وجيشه، إلا أن عبد الرحمن هزمه في موقعتين أُخريين، ثم عاد بجيشه إلى قرطبة محملاً بالغنائم مكللاً بالنصر.
وفي عام 313 هـ، مات أردونيو الثاني ملك ليون، وتنازع بنيه الملك ودارت بينهم حرب أهلية استمرت لنحو سبعة أعوام انتهت باعتلاء ولده راميرو الثاني العرش. استغل عبد الرحمن تلك الأحداث المضطربة عند أعدائه، فتفرغ لتوطيد ملكه والقضاء على التمردات والثورات الداخلية في الأندلس.
بعد أن استقر الملك لراميرو، سار على نهج أبيه، فاستغل تجدد الثورة في طليطلة على حكومة قرطبة، وراسل قادة ذاك التمرد عارضًا عليهم التحالف والدعم. ما أن علم عبد الرحمن بذلك حتى أرسل جيشًا إلى طليطلة في ربيع الآخر من عام 318 هـ. ضرب ذلك الجيش حصارًا على المدينة لنحو عامين، قبل أن يسير عبد الرحمن نفسه بجيش آخر إلى طليطلة في عام 320 هـ. عندئذ، حاول راميرو نجدة حلفاؤه في طليطلة، إلا أن عبد الرحمن سارع بجيشه وواجهه قبل أن يصل إلى طليطلة وحال بينه وبين الوصول إلى المدينة، فلم يجد زعماء التمرد في طليطلة بًدًّا سوى التسليم لجيوش عبد الرحمن في رجب من عام 320 هـ، فأمر عبد الرحمن بهدم حصون المدينة حتى يصعب على زعمائها التمرد عليه مجددًا.
وفي عام 321 هـ، هاجم راميرو مدينة وخشمة واحتلها، فسار عبد الرحمن إليها بنفسه في جمادى الأول من عام 322 هـ، إلا أنه عرج في طريقه على سرقسطة لإخضاع ثورة محمد بن هاشم التجيبي، فترك قوة لحصار المدينة، ثم سار بجيشه إلى نافارا، فقابلته رسل طوطة أرملة سانشو الأول ملك نافارا والوصية على عرش ولدها غرسية يطلبون الصلح والسلام، ثم سارت طوطة بنفسها مقدمة لعبد الرحمن فروض الطاعة، متعهدةً له بالكف عن التعدي على أراضي المسلمين أو إلحاق الأذى بهم، أو التحالف ضد المسلمين مع أعدائهم أو دعم المتمردين على سلطة قرطبة، إضافة إلى إخلاء سبيل بعض أسرى المسلمين، على أن يقر عبد الرحمن ولدها غرسية في ملكه، وتم تسجيل معاهدة بذلك.
بعد ذلك سار عبد الرحمن إلى قشتالة، واجتاحها مدمرًا ما في طريقه من القلاع والحصون دون أي مقاومة تذكر من راميرو ملك ليون أو أي من قواته، حيث اكتفى بالتحصن في أحد حصونه المنيعة تاركًا جيش عبد الرحمن حرًا في أرضه يحصد منها ما شاء من الغنائم، فزحف عبد الرحمن بجيشه على برغش عاصمة قشتالة ودمرها، ثم عاد إلى قرطبة بعد أن فرض سطوته على المملكتين المسيحيتين، وهو محملاً بالغنائم.
وفي عام 323 هـ وبعد هذا النصر الساحق لعبد الرحمن، جاءت رسل راميرو إلى عبد الرحمن تلتمس الصلح، فأرسل عبد الرحمن معهم وزيره يحيى بن يحيى بن إسحاق لعقد شروط الصلح، ووقع عبد الرحمن على المعاهدة في ربيع الآخر من عام 323 هـ.
لم تدم المعاهدة بين عبد الرحمن وراميرو طويلاً، حيث خرق راميرو المعاهدة بعد أن تحالف مع محمد بن هاشم التجيبي صاحب سرقسطة الذي ثار على عبد الرحمن ومع طوطة وصية عرش نافارا ضد عبد الرحمن.
في مواجهة هذا التمرد والتحالف الثلاثي، أرسل عبد الرحمن جيشًا بقيادة الوزير عبد الحميد بن بسيل إلى سرقسطة، ثم ألحقه بجيش آخر بقيادة سعيد بن المنذر القرشي لدعم جيش ابن بسيل، ثم لحقهم هو بنفسه بجيش ثالث في رجب من عام 325 هـ. وبينما كان عبد الرحمن في طريقه إلى سرقسطة، بلغه أن المسيحيين وجهوا جيشًا إلى طليطلة، فتوجه بجيشه إلى طليطلة، فآثرت جيوش المسيحيين الانسحاب شمالاً دون مواجهة جيش عبد الرحمن. ترك عبد الرحمن قوة لحماية طليطلة، وتوجه ببقية الجيش إلى سرقسطة. وفي طريقه، انتزع عبد الرحمن قلعة أيوب من يد المطرّف بن المنذر التجيبي المدعوم بقوة من المسيحيين، فهزمهم عبد الرحمن وقتل المطرف. رأى عبد الرحمن أن يزحف بجيشه على قشتالة قبل أن يواصل زحفه نحو سرقسطة، لضرب أعدائه في ديارهم تأديبًا لهم على دعمهم لابن هاشم التجيبي، فاكتسح عبد الرحمن عددًا من حصون قشتالة ودمّرها، ثم سار إلى نافارا ودمّر عددًا آخر من حصونها، وأرسل فرقًا من جيشه لغزو مناطق عدة من الأراضى المسيحية عادت كلها محملة بالغنائم. هرعت طوطة عندئذ إلى عبد الرحمن معتذرة على خرقها للصلح الذي كان بينهما، فقبل عبد الرحمن اعتذارها.
سار عبد الرحمن بعد ذلك إلى سرقسطة، ودعم الحصار الذي ضربه جيشي ابن بسيل وسعيد بن المنذر على المدينة، ثم أمر ابن بسيل أن يتوجه بجيشه إلى بطليوس، وأن يضم إليه قوات واليها أحمد بن محمد بن إلياس، ثم يهاجم أراضي مملكة ليون. شدّد عبد الرحمن حصاره لسرقسطة، حتى لم يصبح أمام محمد بن هاشم التجيبي سوى التسليم وطلب الصلح مع الأمير، وذلك في يوم عيد الأضحى من عام 325 هـ. اشترط عبد الرحمن على ابن هاشم التجيبي أن يقدم عددًا من أولاده وإخوته وكبار رجاله رهائن ليضمن بذلك نفاذ الصلح بينهما، وهو ما قبله التجيبي، فدخل عبد الرحمن المدينة في المحرم من عام 326 هـ، ثم أمر بهدم أسوارها، وترك بها حامية كبيرة من رجاله. ثم سار عبد الرحمن بعدئذ إلى شنت إشتيبن، وقاتل جيشًا من المسيحيين في معركة عظيمة، هُزم فيها المسيحيين، ثم عاد عبد الرحمن إلى قرطبة في ربيع الأول من عام 326 هـ، بعد أن حقق انتصارات واسعة وقد جمع قدرًا كبيرًا من الغنائم.
وفي عام 327 هـ، غزا عبد الرحمن مملكة ليون بجيش ضخم عبر به نهر دويرة، فاجتمعت له جيوش الممالك المسيحية بعد تحالف راميرو مع طوطة وصية عرش نافارا التي نكثت وعدها مجددًا مع عبد الرحمن. والتقى الجيشان في شوال من عام 327 هـ في معركة عرفها المسلمون بمعركة الخندق، فيما عرفت في كتب التاريخ بمعركة سيامنقة. هُزم المسلمين في تلك المعركة هزيمة كبيرة رغم تفوقهم العددي على عدوهم، بعد أن توافرت عناصر الهزيمة في صفوف جيش المسلمين، حيث أخطأ عبد الرحمن بتقريبه لقادته من الصقالبة وتوليتهم المناصب الهامة في الجيش على حساب العرب والبربر، مما جعل الغيرة تدب في صفوف العرب والبربر، وجعلهم يبدون فتورًا في القتال في المعركة، فانتهز المسيحيون تلك الفرصة وهاجموا جيش المسلمين، وهزموهم هزيمة ساحقة فر على إثرها عبد الرحمن جريحًا في عدد من فرسانه إلى قرطبة. كان لتلك المعركة أثرًا كبيرًا في نفوس المسلمين، حتى أن عبد الرحمن لم يخرج في أي غزوة منذ ذلك الحين. وبعد أن عاد عبد الرحمن إلى قرطبة، أمر بإصلاح الجيش، وعاقب عددًا من الفرسان لتخاذلهم في القتال في المعركة.
ورغم النصر الذي حققته الممالك المسيحية في تلك المعركة، إلا أنهم لم يكونوا قادرين على تطوير الموقف لصالحهم، فقد دارت حرب أهلية جديدة في مملكة ليون، مما دعى راميرو إلى طلب معاهدة جديدة مع عبد الرحمن، وهو ما قبله عبد الرحمن. كما طلب سونير كونت برشلونة الصلح مع عبد الرحمن، فصالحه عبد الرحمن على ألا يتحالف مع أحد من أعداء عبد الرحمن أو المتمردين على سلطانه، وأن يفض تحالفه مع غرسية ملك نافارا.
عاد راميرو مرة أخرى لنقض عهده مع عبد الرحمن، واستمرت الغزوات المتبادلة من كل طرف على أراضي الطرف الآخر لأعوام، عمل خلالها عبد الرحمن على تحصين مدينة سالم أقرب مدن المسلمين إلى حدود ليون وشحنها بالرجال، لتكون قاعدة وحائط صد لهجمات مملكة ليون على أراضي المسلمين، إلى أن مات راميرو عام 339 هـ، حيث تنازع أبنائه الملك، فاستغل عبد الرحمن تلك الفرصة، وأرسل جيشًا عظيمًا بقيادة أحمد بن يعلى إلى مملكة ليون، وهزم جيوشها، مما دعاهم لطلب الصلح مع عبد الرحمن، وهو الصلح الذي دام حتى نهاية عهد عبد الرحمن.