اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
خلال صيف 1924 قدَّم الموسيقار الشهير ألبين بيرغ الأوبرا الأولى له المعروفة باسم "Wozzeck" في فرانكفورت، وخلال هذا العرض قدَّم أدورنو نفسه إلى بيرغ واتفقا على أن يتابع المُلحن والفيلسوف الشاب دراسته مع بيرغ في فيينا، وهذا ما حصل بالفعل عندما انتقل أدورنو إلى فيينا في فبراير 1925 وانغمس في الثقافة الموسيقيَّة فيها، فبالإضافة إلى جلساته مرتين أسبوعين مع بيرغ واصل دراسته على البيانو مع إدوارد ستيرمان، وعلى الكمان مع رودولف كوليش، وحضر محاضرات كارل كراوس السياسيَّة، دائماً ما كان أدورنو يشير لألبين براغ باسم "أستاذي ومعلمي"، وعن أدورنو يقول بيرغ: " أنت قادر على تحقيق إنجازات كبيرة جداً، ويوماً ما سيكون لك أعمال فلسفيَّة عظيمة" }.
بعد مغادرته فيينا سافر أدورنو إلى إيطاليا وفيها التقى بالعديد من المفكرين، منهم الفيلسوف الاقتصادي ألفريد سون ريثل الذي طوَّر معه صداقة دائمة، وعاد لاحقاً إلى فرانكفورت في ديسمبر 1926 وهناك كتب عدة مقالات وكتب هامة في الموسيقى والفلسفة وعلم النفس ، بالإضافة لنشر العديد من المراجعات لعروض الأوبرا والحفلات الموسيقيَّة، ولاحقاً قدَّم العديد من العروض الموسيقيَّة في برلين بين أعوام 1928 – 1930 وتولى دوراً رئيسيَّاً في تحرير مجلة Musikblätter des Anbruch وساهم من خلال عمله هذا في دعم الموسيقى الكلاسيكيَّة الحديثة ضد ما أسماه الموسيقى المُستقرَّة، اعترض العديد من المُفكرين والكتَّاب على نظريَّات أدورنو، الأمر الذي جعله يفكِّر جديَّاً في تغيير أولويَّاته، وهكذا وضع نصب عينيه تطوير نظريَّة فلسفيَّة عن علم الجمال وجَعَل أنشطته الموسيقيَّة في المرتبة الثانية، ولذلك قَبل عرض بول تيليش لتنقيح أعمال كيركيغارد والتي قدَّمها أدورنو في نهاية المطاف على شكل كتاب أسماه "بناء الجمال"، في ذلك الوقت كانت فلسفة كيركيغارد ذات نفوذ كبير على الفكر الأوروبي من خلال اعتبارها بديلاً للفلسفة المثالية وفلسفة هيغل التاريخية، وحظي كتاب أدورنو باستحسان النقاد والمفكرين الذين راجعوه، وفي نفس اليوم الذي نشر فيه هذا الكتاب - 23 مارس 1933 - استولى هتلر على السلطة في ألمانيا.
بعد عدة أشهر من عمله كمحاضر في الفلسفة ألقى أدورنو محاضرة افتتاحية له في معهد البحوث الاجتماعية وهو منظمة مستقلة كان يديرها صديقه هوركهايمر، كانت محاضرته التي عنونها "حقيقة الفلسفة" صدمة حقيقيَّة فالبرغم من أنَّها كانت تتبع لنفس البرنامج الذي وضعه هوركهايمر للمعهد منذ توليه إدارة المعهد ولكنَّها تحدَّت قدرة الفلاسفة على فهم الواقع بطريقتهم النظريَّة وأعلن فيها أدورنو أنَّ العقل غير قادر على استيعاب الكليَّات أو إنتاجها ولكنَّه قد يكون من الممكن أن يفهم التفاصيل ويدركها، ويجب على الفلسفة التي فقدت مكانتها كملكة للعلوم أن تحوِّل مقاربتها للأشياء بشكل جذري وتخلق طرقاً وأساليب جديدة لقراءة الواقع
من إنجازات هوركهايمر بعد أن تولَّى إدارة المعهد إصدار مجلة جديدة لنشر أبحاث أعضاء المعهد قبل وبعد انتقال مقره إلى الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنَّ أدورنو لم يكن عضواً في المعهد نفسه ولكنَّه نشر العديد من مقالاته في هذه المجلة منها: الوضع الاجتماعي للموسيقى (1932)، الاستماع (1938)، أجزاء من فاغنر (1938).
اعتمد تحليل أدورنو الفلسفي للظواهر الثقافية خلال دوره الجديد كمُنظِّر اجتماعي بشكلٍ كبير على لغة المادية التاريخيَّة، ولكن أسباباً عديدة منها وجود عالم اجتماع آخر بارز في المعهد هو كارل مانهايم دفعت أدورنو للتخلي عن فكرة أنَّ علم الاجتماع ليس له أي قيمة حقيقيَّة، ودعا لشكل من أشكال النقد الأيديولوجي للوصول للحقيقة، وقبل هجرته من ألمانيا إلى الولايات المتحدة في خريف عام 1934 بدأ أدورنو العمل على رواية فلسفيَّة تشبه مغامرات توم سوير لمارك توين ولكن هذا العمل لم يكتمل أبداً، وفي الوقت الذي هرب فيه من ألمانيا النازية كان قد كتب بالفعل أكثر من 100 أوبرا و50 مراجعة نقدية موسيقيَّة على الأقل.
عندما وصل الحزب النازي لسدة الحكم في ألمانيا وأصبح أكبر الأحزاب في البرلمان الألماني عام 1932 كتب أدورنو: لقد وصلت اللاعقلانية في المجتمع الألماني إلى نقطةٍ لم يعد أحدٌ يستطيع أن يتكهَّن بما سيحدث بعدها، وفي سبتمبر من نفس العام مُنع أدورنو من التدريس وقامت الشرطة الجنائية التي يسيطر عليها النازيِّون بتفتيش منزله ومكاتب المعهد الذي كان يُدرِّس فيه، ورفض طلبه في الحصول على عضوية اتحاد الأدباء في الرايخ لأنَّ العضوية كانت تقتصر "على الأشخاص الذين كانوا ينتمون للأمَّة الألمانية من خلال روابط الدم والشخصية" وتمَّ الرد على طلبه "بأنَّك لا يمكنك أن تشعر أو تقدِّر هذا الالتزام"، وبعدها بفترة وجيزة اضطرَّ أدورنو للهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والبقاء في منفاه لأكثر من 15 عام.