اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عاشت تارودانت أواخر عصر المرابطين جواً مشحوناً بالصراعات، فبعد وفاة ابن تومرت استمر خلفه عبد المومن بن علي الكومي في توجيه حملاته العسكرية لاستنزاف القوات المرابطية بسوس. وبعد أربع سنوات نجحت عساكر الموحدين في دخول تارودانت سنة 528هـ، ثم ما لبثوا أن إنسحبوا منها بعد أن غنموا وسبوا. وقد عاد عبد المومن ليقتحمها بصفة نهائية سنة 535هـ/ 1140م، وباستسلامها انقادت كل قبائل سوس للموحدين بعد أن قضوا على ما تبقى من فلول القوات المرابطية بالحصون والقلاع المحيطة بتارودانت، وخاصة حصن تين واينان. وبعد أن تمكن عبد المومن من إرساء دعائم دولته والقضاء على مناوئية من الثوار والمطالبين، قام برحلة إلى سوس لتفقد الأحوال وتهدئة النفوس سنة 550هـ. ومن خلال أخبار هذه الرحلة تأكدت من جديد أهمية تارودانت كقاعدة تاريخية ومتجمع للقبائل السوسية، حيث اختارها عبد المومن للقاء الوفود المهنئة، وإستقبال شيوخ القبائل فوجا بعد فوج. وعرفت تارودانت بعد هذا التاريخ إستقراراً سياسياً ورخاءاً وإزدهاراً، وإستعادت دورها كعاصمة إدارية لسوس حيث اتخذها الموحدون داراً لولاتهم، ومُستقراً لعساكرهم التي تراقب الإقليم. وقد جرت عادتهم على تعيين ولاتها من ضمن أمرائهم أو كبار رجالاتهم المخلصين، وذلك منذ أن عين عليها عبد المومن بن علي ابنه عبد الرحمن بن اللمطية سنة 548هـ. وكان من الطبيعي أن تنتعش تجارة تارودانت بعد تمهيد السبل وتأمين الطرق، وإزدهرت بها الزراعات المختلفة والحرف المتنوعة، فاشتهرت بوفرة منتوجاتها ورخص أسعارها وقصدها التجار من الآفاق. وقد تركت المدينة خلال هذه الفترة أثراً بالغاً في نفوس زُوارها من الرحالة والمؤرخين، خاصة الشريف الإدريسي، وابن عذاري. ولا يُستبعد أن تكون تارودانت قد عرفت في عهد الموحدين عناية كبيرة بحركة العمران، على ما هو عليه دأب الموحدين في باقي مناطق المغرب. لكن مظاهر هذه العناية قد تكون طمست أثناء ثورة علي بن يدر الزكندري (651هـ/ 1253م) والذي خرب المدينة، وأزال أسوارها ومعالمها، وهدم دُورها. وقد استمر عبث ابن يدر وأنصاره بالمنطقة وأهلها إلى حدود (665هـ/1266م)، عندما دخل الخليفة الموحدي الواثق تارودانت وحاصر ابن يدر في حصن تين واينان، ثم تراجع عنه بعد إعلان الثائر خضوعه. لكنه سيعود من جديد إلى الاستئثار بتارودانت بعد مقتل الواثق ودخول المرينيين إلى مراكش سنة (668هـ/ 1269م).