اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
رتب سعد الدين الشاذلي فرقتين صاعقة ووضعهما في المطار باعتبارهما من قوات الأمم المتحدة التي تشارك فيها مصر، وأعطى الشاذلي أوامره بأن يهربوا عن طريق المطار -الذي كان خاضعا لسيطرة الأمم المتحدة وقوات موبوتو- مهما كلف الأمر.
في المطار كان أحد من المفتشين في المطار يدقق في جواز سفر عبد العزيز إسحاق "وأبنائه"، فساوره الشك وصاح: "مستحيل أن يكون هؤلاء أولاد هذا الرجل"، وطلب رؤيتهم قبل صعودهم إلى الطائرة، فرد عليه عبد العزيز إسحاق، بأن الأولاد ناموا ولا يمكن أن يتم إيقاظهم، كان إسحاق يتحدث بثقة كبيرة، وحوله ضباط مصريون مما ساعد في إرباك الموظف وأخلى سبيلهم، ومر الموقف وأقلعوا بالطائرة، ومع الإحساس بالأمان استيقظ الأطفال من تمثيلية النوم.
واصل باتريس سرد قصة تهريبه وإخوته من الكونغو إلى مصر قائلا: طارت الطائرة من الكونغو ونحن لا نعرف إلى أي مكان نحن ذاهبون إليه، وكنا نطمئن فقط إلى وجود عبد العزيز إسحق، لأنه صديق الوالد، وأذكر أن الرحلة استمرت طويلا، ونزلنا إلى الجزائر ترانزيت حوالى ساعتين أو ثلاثة، ومن الجزائر واصلنا الرحلة إلى برشلونة في أسبانيا وفيها استمر الترانزيت حوالى يوم، ثم ذهبنا إلى سويسرا يومين إلى ثلاثة، ومن سويسرا أخذنا الطائرة إلى مصر.
في مطار القاهرة نزل أبناء لومومبا الثلاثة، فرانسوا وباتريس وجوليانا، وبقيت الأم إلى جوار الوالد، بالإضافة إلى ابن رابع هو رولا وكان عمره عامين، وبعد مرور سنة تقريبا جاءت الأم ومعها رولا إلى القاهرة، ويستكمل باتريس سرد باقى قصة تهريبهم إلى مصر قائلا، أنهم وفور نزولهم إلى أرض المطار حضر مندوبون من رئاسة الجمهورية وصحفيون، ويضيف: "توجهنا على الفور إلى منزل عبد العزيز إسحق لأننا لا نعرف لغة عربية، ولا نعرف أحدا في مصر، وفضل الرئيس جمال عبد الناصر أن نبقى عند إسحق حتى نتعلم العربية، وطبعا هو كان صديق الوالد".
في جلستنا كانت شخصية عبد العزيز إسحق هي الطرف المصري الأصيل في القصة، فهو الذي قاد عملية التهريب وصاحب خطتها، وهو الذي استضاف أبناء لومومبا في منزله، وعنه قال باتريس: "هو كان صديق والدي وعمل الرابطة الأفريقية الموجودة في الزمالك، كان بيسافر أفريقيا كتير، وكانت علاقته قوية بقادة حركات التحرر الأفريقية، وفي الفترة التي قضيناها في منزله شاهدت عنده الكثير من هؤلاء القادة أذكر منهم جوش نكومو، وكنا نذهب معه أحيانا إلى الرابطة الأفريقية فنشاهد عشرات اللاجئين السياسيين من أفريقيا وهم يلتقون به، وبقينا على هذا الوضع عامين حتى استأجر لنا الرئيس جمال عبد الناصر فيلا مستقلة انتقلنا إليها للعيش فيها.
قلت لباتريس: لقد أصبحتم هنا في مصر في رعاية أب ثانٍ هو جمال عبد الناصر، فهل استطاع رغم مشغولياته الكبيرة أن يتابع معكم دور الأب؟
قبل أن يجيب باتريس على سؤالي، دق جرس التليفون الأرضي، وكان عبد الحميد جمال عبد الناصر هو الذي يتحدث مع شقيقه خالد ليخبره أنه في الطريق للانضمام إلينا ولرؤية باتريس، وبعد انتهاء المكالمة التفت خالد إلى باتريس: "جاوب يا عم باتريس على سؤال سعيد" فأجاب باتريس: "كان جمال عبد الناصر يعاملنا معاملة أب لأبنائه، يسألنا عن كل شئ يقول لنا، اتفرجوا ياولاد سينما، إلعبوا الكرة ياولاد، وبعدين لما كان خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم وهدى ومنى يروحوا المعمورة في الصيف نروح معاهم، وأمنا السيدة العظيمة تحية (زوجة عبد الناصر) تجهز لنا الأكل والسندويتشات، وترعانا مفيش فرق بين الكل، وبالمناسبة كان أخي فرنسوا يلعب الكرة في فريق الزمالك في جيل فاروق جعفر لكنه لم يستمر، المهم أن معاملة الرئيس عبد الناصر كانت معاملة أب بجد، وفي متابعته لدروسنا كان عنده اهتمام قوى بأن نتعلم لغة عربية، ولو وجد أحد من إخوتى ضعيف في اللغة العربية أو أي مادة أخرى، كنا نجد على الفور مدرس يأتي إلى المنزل للشرح، لكن كان هو حريصا بالذات على اللغة العربية.
كان تأكيد باتريس لومومبا على أن عبد الناصر كان حريصا جدا على تعليمهم اللغة العربية لافتا مما أغراني بسؤاله: "هل كان لك تفسير لماذا كان اهتمام عبد الناصر بتعليمكم اللغة العربية؟" رد باتريس: "لا أعتقد أنها كانت فقط لأننا نعيش في مصر، وهذا ما كنت أتصوره وقتها، لكن لما كبرت وعدت إلى بلادي فهمت أن تعليمنا اللغة العربية وحرص جمال عبد الناصر على ذلك ربما يكون له أسباب أخرى مهمة، ففي بلادي تقربني اللغة من كل ما هو مصري، وأكيد كان الرئيس عبد الناصر عنده بعد نظر في أنه هو متأكد أننا سنعود في يوم من الأيام إلى بلدنا، ويا سلام لما نعود واحنا بنتكلم عربي، أكيد أنها ستعود بالفائدة في العلاقات مع مصر".
التقط خالد عبد الناصر خيط الحوار، حين سألت باتريس عما إذا كانت هناك تفاصيل أخرى لم يذكرها في قصة تهريبهم، وبينما كان التأثر واضحا وبقوة على وجه باتريس، وهو يستعد للكلام وقف خالد قائلا: "أنا مش هقدر أحضر اللى هيقولوا باتريس لأني أعرفه وهو شيء مؤلم، وعلى فكرة هو لا يذكره كثيرا" قلت لخالد: "إذا كان ما سيذكره باتريس مؤلم له فلا داعي رغم أن القصة كلها مؤلمة عليه" فالتفت خالد إلى باتريس ليمسك بيده قائلا: "لا بأس يا باتريس وأنا رأيي تقول كل اللي تعرفه لأنها شهادة للتاريخ وللناس اللى ما تعرفش الحقيقة" فتكلم باتريس... يستكمل
https://www.youm7.com/story/2010/10/2/أبناء-لومومبا-عند-عبد-العزيز-إسحق/285399
قال الشاذلي إن مهمته كانت هي الأولى من نوعها بالنسبة لمصر، وإنه تم توزيع الكتيبة المصرية في أقصى الشمال الغربى للكونغو بمسافة تبعد عن العاصمة نحو ألف كيلو، وكان هذا البعد مقصودا حتى لا تكون الكتيبة المصرية بالقرب من الأحداث، يضيف الشاذلي، رغم هذا البعد إلا أننا كنا نقوم ببعض الأشياء التي تصب في مصلحة هدفنا الأصلي، صحيح أنا كنت في مهمة تابعة للأمم المتحدة، لكني لم أنسَ أبداً أنني مصري، وقمت بدوري في عملية إنقاذ أطفال لومومبا.
مازلت على التليفون مع الفريق سعد الدين الشاذلي، الذي سألته عن طبيعة الدور الذي قام به في عملية إنقاذ أطفال لومومبا، فرد: "كل ما أستطيع قوله أنني قمت بدوري في هذه العملية، وزرتهم فيما بعد في منزل عبد العزيز إسحق، كما زارني ابنه الأكبر فرنسوا أثناء إقامتي في الجزائر(فترة الثمانينات من القرن الماضيى، وعاش الشاذلي في الجزائر على إثر خلافات بينه وبين القيادة السياسية في مصر)، أضاف الشاذلى: "لولا وجودنا في الكونغو ما تمت عملية التهريب".
سألت الشاذلي: حدثتنى عن أن وجودكم بعيدا عن الأحداث كان مقصودا، رجاء أن تعطى لنا توضيحا أكثر حول هذه النقطة، وكيف كانت نظرة الشعب الكونغولي لكم؟
رد الشاذلي: كانت القوى الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا لا يريحها أي تواجد مصري في أفريقيا، ولهذا لم يستريحوا لوجود مصريين في الكونغو حتى وإن كانت تحت لافتة الأمم المتحدة، وقالوا كلاما ضدنا مثل أن مصر تسعى إلى الهيمنة على أفريقيا، وكان هذا الكلام مدعوما من أمريكا وبلجيكا باعتبارها دولة الاستعمار في الكونغو، المهم أنني كنت أحمل معى كتبا مصرية كثيرة، وأحمل معى نسخ من المصاحف، وليعرف الجميع أن الوضع هناك كان متخلفا إلى أبعد مدى، فلم تكن هناك هياكل دولة ولا يوجد تعليم، وفي هذه الأجواء كنت أقوم بتوزيع الكتب التي معي والتي تأتيني من مصر بطريقة ما، وأذكر أن هناك من دخل الإسلام بفضل تعاملنا، وبالرغم من وجود كتيبة أندونيسية معنا، وكان كل جنودها من المسلمين إلا أن الكتيبة المصرية كان لها فعل السحر، فأي مجموعة من الكونغوليين كانت تجلس معنا كانت تتعامل على أساس أننا من عند جمال عبد الناصر، ومهما وصفت لن أستطيع أن أنقل مدى السحر الذي كان يحدثه اسم جمال عبد الناصر في أفريقيا، وأذكر أن وسائل التحرش ضدنا كانت متنوعة، فنحن كنا في منطقة مواجهة لبلدة بانجي في أفريقيا الاستوائية، وكان الاستعمار الفرنسي قائما هناك، وكان المرور بين أفريقيا الاستوائية والكونغو يمر عبر المعبر الذي توجد فيه فرقتنا، وكان الفرنسيون يطلقون الطائرات على ارتفاع منخفض علينا بحجة مسح المكان، لكنه في الحقيقة كان نوعا من استعراض القوة خاصة وأن هذا الإجراء كان يتم على الكتيبة المصرية فقط، وليس كتائب أخرى موجودة معنا.
سألت الشاذلي:"ماذا كان رد الفعل بعد معرفة عملية هروب أو تهريب أبناء لومومبا؟".
رد الشاذلي: في المراحل الأولى، تعاملنا وكأننا لا نعرف شيئا عن القصة.
قبل أن أُنهي مكالمتي مع الفريق سعد الدين الشاذلي، طلب مني التحدث إلى باتريس لومومبا، وتحدث معه سائلا عما قيل وقتها عن أن بلجيكا اعتذرت لحكومة الكونغو عن عملية اغتيال لومومبا، فقال باتريس، بلجيكا قررت الاعتذار لحكومة الكونغو وأسرة لومومبا، وقرروا عمل مؤسسة تحمل اسم لومومبا للديمقراطية، وتعطى منحا دراسية، ونحن لم نقبل الاعتذار ولم نتنازل.
التقط أمين إسكندر هذه النقطة ليسأل باتريس: هل تعتزمون مقاضاة بلجيكا، وهل هي كانت الطرف الوحيد في اغتيال الوالد؟
أجاب باتريس: لم نقرر بعد مقاضاة بلجيكا أم لا، لكن ما حدث أن الاغتيال كان طرفه المخابرات البلجيكية والمخابرات الأمريكية، وتم بضرب الوالد بالرصاص هو واثنين معه ووضعوهم في حفرة، وفي اليوم التالي لاحظ أحد أفراد الحراسة أن هناك يد إنسان تظهر من حفرة، فاتصل برؤسائه ليسألهم وكانوا هم يعرفون ما فيها فأبلغوه بالقيام بحفر الحفرة، واستخراج الجثث منها وتقطيعها ووضعها في محلول "الأسيد" حتى يختفى كل أثر لها، والشخصان اللذان كانا مع الوالد في الحفرة هما رئيس البرلمان ووزير في وزارته، وكان من حزب "الحركة الوطنية الكونغولية"، وأخي يتولى رئاسته الآن، وظهر فيما بعد أن المخابرات الأمريكية دخلت على خط عملية الاغتيال، وكانت فشلت من قبل في اغتياله عبر وضع سم في معجون الأسنان... يستكمل
https://www.youm7.com/story/2010/10/4/الشاذلى-يوزع-المصاحف-فى-الكونغو/286261
قال باتريس: "بعد أن وصلنا إلى القاهرة، خرج الوالد من العاصمة، واعتزم التوجه إلى بلدة اسمها "ستا نليفيل"، وكان له أتباع كثيرون في هذه البلدة، وعن طريق أنصاره استطاع الخروج بسلام من العاصمة، لكن الناس في البلاد التي كان يمر عليها في طريقه إلى "ستانليفيل"، كانت تستوقفه فيخطب فيهم ويشعل حماسهم، مما أدى إلى تعطيله وتأخيره عن الوصول بسرعة إلى بلدة "ستانليفيل"، وفي نفس الوقت أعطى الفرصة للإبلاغ عن كل تحركاته، ويضيف باتريس، "لم تكن لدى موبوتو (رئيس الكونغو فيما بعد) طائرات فأمده الأمريكان بطائرة هليوكوبتر وطائرات أخرى لنقل قواته، ووضعوا خطة قامت على تحديد مكان سوف يعبر منه لومومبا بواسطة "معدية" إلى مكان مقابل، وفي الناحيتين تقف قوات لموبوتو بحيث أنه لو فلت من ناحية سيجد قواتاً من الناحية الأخرى تعتقله على الفور، وهذا ما حدث بالفعل حيث تم القبض عليه في هذا المكان، وتم اقتياده إلى الطائرة المهداة من الأمريكان لموبوتو لتعود به إلى العاصمة، وفي العاصمة حبسوه في معسكر جيش، ورأى موبوتو أن استمرار لومومبا في المعسكر خطر، لأنه من الوارد أن يتحدث مع حراسه فيتحولوا إلى تأييده، وبالتالي من الممكن أن يقوم الحراس بتهريبه، وعلى هذا الأساس جاء التفكير بضرورة التخلص من لومومبا".
واصل باتريس كلامه، "كان تشومبي، الذي تحالف مع موبوتو، عدوا لدودا للومومبا وهو صاحب فكرة التخلص منه، وهو الذي أعلن انفصال إقليم كتانغا وتنصيب نفسه رئيسا عليه، وكان حول تشومبي مستشارون بلجيكيون يضعون له الخطط وهو عليه التنفيذ، وبعد فترة قصيرة قضاها الوالد في معسكر الجيش تم نقله إلى فيلا سكنية خالية، لكنه كان شبه ميت من شدة التعذيب، وتقرر التخلص منه نهائيا خوفا من أن استمرار سجنه سيؤدي حتما إلى إحداث قلاقل في البلاد، وبالفعل تم تنفيذ عملية الاغتيال بالرصاص، وتم تنفيذها أيضا ضد جوزيف أوكيتو، رئيس مجلس الشيوخ، وضد وزير الإعلام، موريس موبولو، وتم دفن الثلاثة في حفرة، وخلع الضابط البلجيكى الذي نفذ عملية القتل سنتين ذهبيتين من فم الوالد تذكارا لما فعل، وقطعوا الجثث ووضعوها في حمض كبريت لإذابتها، والهدف طبعا كان إخفاء أي معالم للجثث ظنا منهم أنهم يخفون بذلك معالم جريمتهم.
توجه أمين إسكندر إلى باتريس بسؤال، أين كانت الوالدة؟ فأجاب باتريس: بعد اغتيال الوالد خرجت الوالدة من العاصمة إلى ستانليفيل، وذلك بحماية من الأمم المتحدة، كانت البلد انقسمت نصفين، حكومة شرعية في ستانليفيل، وموبوتو يعمل حكومة ثانية، وأذكر شيئا لم يأت عنه الحديث في هذه الجلسة، وهو أنه كانت لي شقيقة طفلة ولدت بعد تهريبنا من الكونغو إلى مصر أي أنني لم أرها أنا وفرنسوا وجوليانا، وتوفيت وفاة طبيعية، وحزن الوالد كثيرا لموتها، والحزن لم يكن فقط على الموت وإنما لعجزه عن دفنها، ظلت الجثة أمامه وهو لا يستطيع دفنها، وعندما ذهبت أمي إلى ستانليفيل أخذت الجثة معها ودفنتها.
هذا فوق طاقة البشر يا باتريس، هكذا علق أمين إسكندر، فرد باتريس، نعم فوق طاقة البشر، فسيدة اغتيل زوجها بوحشية، وأطفالها في بلد آخر بعيدين عنها، ولديها جثة طفلة رضيعة احتفظت بها كثيرا لكي تدفنها حسب معتقداتنا، كما أنها لا تعرف مصيرها، يعني هل سيقتلها الذين قتلوا الوالد أم لا؟ وبعد أن ذهبت الأم إلى ستانليفيل ودفنت أختي الرضيعة، واستمرت فيها لفترة تدخل خلالها جمال عبد الناصر من أجل أن تأتي إلى مصر ومعها شقيقي الرابع رولا وكان عمره عامين، ولم يتم تهريبه معنا، ولما جاءت إلى مصر لأول مرة بقيت معنا مدة شهرين، ثم عادت إلى ستانليفيل ولم تكن تحت سيطرة موبوتو بعد، ثم جاءت إلى مصر لتستقر معنا نهائيا، وأي حد في هذا الوقت في الكونغو كان يحمل صورة لومومبا يتم قتله.
سألت باتريس، "هل عرف الناس في الكونغو أنه تم تهريبكم إلى مصر؟ وكيف عرفتم هنا في مصر خبر اغتيال الوالد؟ أجاب: "الناس في الكونغو لم تعرف قصة تهريبنا، فالعملية سرية ولم يعرف بتفاصيلها أحد، الناس عرفت فقط أننا في مصر، وتلقينا خبر اغتيال الوالد من عبد العزيز إسحق، وعرفناه منه بالتدريج، ولم يحدثنا في تفاصيل وإنما في عموميات.
https://www.youm7.com/story/2010/10/6/يوم-أن-عرف-أبناء-لومومبا-بموت-أبيهم/287126
بعد أن تحدث باتريس عن تفاصيل عملية الاغتيال الوحشي لوالده لومومبا والتحاق والدته بهم في مصر، حدث تبادل للذكريات في الجلسة بين خالد وعبد الحميد وباتريس، قال باتريس، "أخذنا من جمال عبد الناصر حباً وحناناً مهما تحدثت عنه لن أعطيه حقه، كان يداعبني دائما فيناديني باسم عتريس.. يا عتريس.. يا عتريس، فنضحك وأنا أجرى إليه فيأخذني في أحضانه، بالضبط كما يفعل أبى، كنت أقضي أياما كثيرة أنا وإخوتي في بيت الرئيس مع خالد وعبد الحميد وعبد الحكيم وهدى ومنى، هو طبعا كان دائم الانشغال لكن في وقت الغذاء يناديني لأجلس بجواره".
يتحدث خالد، "كنا عائلة واحدة، لا يشعر أحد منا أن الآخر غريب عنه، أخوات يعني، لما كنا نذهب للبحر في الإسكندرية، وفي البحر ننسى كل شيء، فتنادي أمي الله يرحمها، "يا باتريس جوعتم ولا لسه، ولما نتشاقى نتعاقب جميعا، كنا نعرف أننا أخوات، وحكاية الأخوات أخذت وقتا علشان نعرف إحنا أخوات ليه".
يضحك عبد الحميد وهو يقول، "لما جاء تشومبي إلى مصر لحضور مؤتمر عدم الانحياز ورفض جمال عبد الناصر دخوله، وتم حجزه في أحد القصور حتى عودته، وبعدها بيومين ونحن على الغذاء"، قال لباتريس ضاحكا، "مرحتش ليه يا عتريس تموت تشومبي".
تنوعت حكايات الذكريات لتشمل أشياءً كثيرة، كان من بينها ما ذكره خالد حول أنه بعد دخوله الجامعة طلب من جمال عبد الناصر أن يتم تخصيص مصروف له، فطلب منه الوالد أن يسأل زملاءه عن مصروفهم، فذهب خالد إلى صديقه إسماعيل ليسأله، فقال له إنه يحصل على 8 جنيهات في الشهر، وأراد خالد أن يزودها شوية فقال له إن زملاءه يحصلون على 2 جنيه في الأسبوع، ولأن الشهر فيه أربعة أسابيع، يعني هيبقى فيه يومان في الشهر يمكن يرفعوا قيمة المصروف جنيها مثلا أو أقل حاجة بسيطة، كان خالد يحكي وضحكته تجلجل، لكن عبد الحميد نقلها إلى قصة أخرى، قال عبد الحميد، "أسرة لومومبا كان لها مخصصات تابعة لرئاسة الجمهورية، وظلت كما هي حتى تقلصت تدريجيا في عصر السادات"، التفت عبد الحميد إلى خالد قائلا، "فاكر يا خالد لما موبوتو (رئيس الكونغو، وكانت تسمى في عهده زائير) جاء لزيارة مصر في أواخر السبعينيات أيام السادات، أيه اللي حصل؟، يرد خالد، حصل فرض إقامة جبرية على أسرة لومومبا طول فترة الزيارة، فقمنا أنا وعبد الحميد وعبد الحكيم بشراء وجبة طعام فاخرة لإرسالها لهم حتى لا يشعروا بأن هناك تقصيرا في حقهم".
انتقلت جلستنا، والتي استمرت من الساعة العاشرة صباحا وحتى الرابعة عصرا، إلى مناقشات أخرى في قضايا سياسية متنوعة، وتحدث باتريس عن عودتهم إلى بلادهم واستقرارهم فيها، وتولى شقيقه قيادة حزب، وشقيقته وزارة الثقافة، وهو على ما أذكر في مجال سياسي بارز.
عاد الأبناء إلى مناصب رفيعة في بلادهم، وفي وجدانهم وعقلهم مصر التي أعطتهم، وإذا وضعنا ذلك إلى جوار ما ذكره مفتش الشرطة الأوغندية الذي جاء إلى مصر منذ أسبوعين حتى يجمع ذكريات والده الذي قاد حركة تحرير أوغندا من الاستعمار، وجاء إلى مصر عبد الناصر سائرا على قدمه وساعدته مصر، وإذا وضعناه أيضا إلى جوار ما ذكره رئيس الوزراء الكيني الذي عاش مع والده في حي الزمالك أثناء قيادة الوالد للنضال من أجل استقلال كينيا ومنحه عبد الناصر المساعدات، والمفارقة أن كل هذا التراث وغيره في دول حوض النيل التي تفجرت معها المشاكل في الآونة الأخيرة، فكيف نستفيد به؟ من لديه الإجابة فليكتبها.
https://www.youm7.com/story/2010/10/7/كيف-نستفيد-من-أبناء-الزعماء-الأفارقة؟/287596