اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هذه الفصول من حياة مدام بلافاتسكي هي فصول موثقة بصورة غير كاملة، ولكن قصتها المعروفة تبدأ بالفعل منذ وصولها إلى أمريكا في بدايات عام 1870 ولقائها مع الكولونيل هنري أولكرت، الذي تولى كتابة قصة حياتها وكان لديه اهتمام بالبحث عن الحقيقة، وبالرغم من أنه قد يكون منحها فائدة الشك في العديد من الأمثلة فإنه كان صحفيا، أي رجلا من أصحاب العقل الفضولي، ولم يكن أحمق أو غبيا، فإذا كانت مدام بلافاتسكي هي الينبوع الذي شربت منه الجمعية الثيوصوفية، أو التأملية الفلسفية فإن الكولونيل كان هو المدير، وهو المؤمن بها، وبرغم أن العلاقة بينهما كانت عاصفة أحيانا فإن الاتحاد بين مواهبهما خلق إيمانا استمر، صحيح أنه بين أقلية، ولكنه استمر حتى يومنا هذا.
كان اهتمام الكولونيل أولكرت بالروحانيات غير عادي وفي أكتوبر عام 1874 حضر الكولونيل جلسة روحية اشترك فيها وسيطان هما الأخوان أبيرى، في ذلك الوقت جذب انتباهه بقوة مشهد ملئ بالحياة، في ذلك الوقت كانت مدام بلافاتسكي ترتدي قميصا أحمر براقا لامعا وربما لم تكن أكثر بدانة في أي وقت مثلما أصبحت بعد ذلك، ولكن شخصيتها القوية تسيطر تماما على أي مكان توجد فيه، وقد وصفت هي مظهرها بنفسها بأنها " قلموقية بوذية طريرية"، والقلموقية هي فرق من إحدى قبائل القلموق المغولية البوذية، وهي صاحبة وجه عريض مسطح وملامح قاسية يوازنه يدان جميلتان صغيرتان يزينهما العديد من الخواتم، أما عيناها فلونهما بين الأزرق والرمادي واسعتان معبرتان قويتان، وشعرها بني اللون كثيف متجعد كصوف الماشية.
وقد اصطبغت أصابع اليد اليمنى بلون بني من السجائر التي لا تتوقف عن تدخينها وكان هذا شيئا غريبا في تلك الأيام، وكان حديثها بأكثر من لغة وكانت تحشده دائما بالقسم للتأكيد.
وقبل أن تنتهي هذه الأمسية كانت مدام بلافاتسكي قد أسرت لب الكولونيل أولكرت الذي لاحظ بالإضافة إلى ذلك أن الأخوين أبيرى وباقي الوسطاء الروحيين قد حققوا نجاحا أكبر في وجود مدام بلافاتسكي في الجلسة، وهذا جاء تأكيدا لحقيقة أن الأرواح الحقيقية هي فقط التي استدعيت، ليس هذا فقط بل إن هؤلاء الوسطاء الروحيين كانوا يخضعون لسيطرة أرواحهم التي يستدعونها بينما مدام بلافاتسكي في ظروف مماثلة كانت هي التي تسيطر على الأرواح لكي تنفذ إرادتها وهي بكامل وعيها.
ونتيجة لاهتمام الكولونيل أولكرت بها ومقالاته في الصحف حققت مدام بلافاتسكي شهرة ضخمة في أمريكا، وأخذت شقة في نيويورك أطلقت عليها اسم "دير الرهبان اللاميين" ملأتها بمجوعة من الحيوانات والطيور المحنطة مثل الثعابين والقرود والبوم ورأس أسد معلقة في الجدار، وفي وسط هذا صنعت مكان جلستها وهي ترتدي ثوبها المفضل وهو عبارة عن أقمشة صحراء اللون زيتية، وكان تأثير هذا الجو يبدو مضحكا لغرابته ولكن حماسها مع شخصيتها الجذابة كان يجمع حولها الصفوة من كل هؤلاء المتطلعين لمعرفة المستقبل وقراءة الطوالع وهو ما كانت أمريكا كلها آنذاك شغوفة به.