English  

كتب فن القلوب

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

فن القلوب (كتاب)


لم يكن مطلعي على عالم العلاقات رحلةً أعددتُ لها عُدَّتها، ولا طريقًا سلكته بنيّةٍ بيّنة؛ بل كان خاطرًا يمرّ على الروح مرَّ النسيم، يلمس الكتف لمسةً لا تُوقظ الجسد، بل توقظ شيئًا أعمق… تاركةً في الروح سؤالًا خافتًا لا يُسمَع، لكنّه لا يهدأ.

كنتُ ذات مساءٍ أقلب هاتفي بيدٍ أثقلها الإرهاق، أبحث عن ما يخفّف ضجيجًا تراكم في صدري. فإذا ببودكاستٍ قديم للدكتور ياسر الحزيمي يلوح أمامي، فضغطتُ عليه بلا رغبةٍ ولا انتظار. استمعتُ دقائق يسيرة، ثم أغلقت. وظننتُ أنّ الأمر انقضى، فإذا بأثرٍ خافتٍ يبقى يقظًا في أعماقي؛ كأن نافذةً فُتحت في ظلمةٍ بعيدة، ولم أنتبه إليها إلا حين تسلّل منها أوّل خيط معنى لم أعهده من قبل.

ومضت الأيّام، ووجدتني من غير قصد أعود إلى تلك النافذة ذاتها؛ أطالع، وأتأمّل، وأدوّن، وأصغي لما تقوله النفس حين تُترك لنورها الداخلي. وبين كتبٍ كثيرة قضيت عندها من عمري أكثر مما قضيت من مالي، وقفت طويلًا عند كتاب ديل كارنيغي، فقرأته كما تُقرأ الحكمة إذا تجلّت في أبسط صورها. وحين أنهيته، نهض في داخلي صوتٌ يشبه النداء:

«لا يزال في القلب فنّ لم تفتحه بعد.»

ومنذ ذلك اليوم أخذت تخطر لي فكرة الكتاب، لا باعتبارها مشروعًا، بل كشيء يريد أن يُكتب بي، لا أن أكتبه. كنتُ قد سطّرت كتابين من قبل، وخيّل إليّ أن ما بعدهما ليس إلا تكرارًا لما قد قلت، أو رجعَ صدىً لصوتي القديم. ولم يكن ذلك خوفًا، بل سؤالًا ثقيلًا كان يلازمني كلما مرّ في خاطري أن أكتب:

«ما الجدوى؟ أأضيف إلى الضجيج ضجيجًا؟ أم أكتب كلمةً تمضي بلا حرارة؟»