اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان القسم الثالث والأخير في أغاني بندار يتألف عادة من نصيحة خلقية. وليس من حقنا أن ننتظر منه في هذا القسم فلسفة عميقة؛ وذلك أن بندار لم يكن من أبناء أثينا، وأكبر الظن أنه لم يلق في حياته سوفسطائياً، ولم يقرأ لأحد من السوفسطائيين شيئاً، بل كان يوجه قواه العقلية بأجمعها إلى فنه، فلم تبق لديه قدرة على التفكير المبتكر الأصيل؛ وكان يكتفي بأن يستحث الرياضيين الفائزين، أو الأمراء الحاكمين، على أن يكونوا متواضعين يجلون الآلهة، ويوقرون بني جنسهم، ويحترمون أنفسهم. وكان ما بين الحين والحين يمزج اللوم بالمديح، وبلغ من الجرأة أن حذر هيرون ذات مرة عاقبة الشره. ولكنه لم يحاجز نفسه عن أن يقول كلمة طيبة في حق المال أخبث الطيبات كلها وأحبها إلى قلوب الناس. وكان يمقت الثوريين الصقليين، وقد حذرهم من عاقبة أمرهم بألفاظ لا تكاد تختلف عن ألفاظ كنفوشيوس: "إن من أسهل الأشياء حتى على الضعفاء أن يقوضوا مدينةً من أساسها؛ أما إعادتها إلى مكانها بعد تدميرها فتتطلب جهوداً مضنية وكفاحاً مريراً".
وكان يحب في أثينا ديموقراطيتها المعتدلة بعد سلاميس؛ ولكنه كان يعتقد مخلصاً أن الأرستقراطية أقل أنواع الحكم ضرراً. ذلك بأنه كان يرى أن الكفاية متأصلة في الدم، لا تكتسب بالتعليم، وتنزع إلى الظهور في الأسرة التي ظهرت فيها من قبل. والدم الطيب وحده هو الذي يهيئ الخلق إلى القيام بالأعمال النادرة التي تجعل الحياة كريمة جديرة بأن يحياها الإنسان. "ما أقصر الحياة! أي شيء نكونه وأي شيء لا نكونه؟ الإنسان حلم يحوم حول خيال؛ أما إذا نزل عليه بهاء من قبل أحد الأرباب فإن هالة من المجد تحيط به وتصبح حياته حلوة ممتعة". ولم يكن بندار محبباً إلى الجماهير في أثناء حياته، وسيظل بضعة قرون يستمتع بما يستمتع به من خلود لا حياة فيه أولئك الكتاب الذين يشيد الناس كلهم بذكرهم، ولا يقرأ أحد كتاباتهم.
لقد كان يطلب من العالم أن يقف عن الحركة في الوقت الذي كان يتحرك فيه إلى الأمام، ومن أجل هذا خلفه العالم وراءه، حتى ليبدو أكبر سناً من ألكمان وإن كان أصغر من إسكلس.