اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
التكنولوجيا لغة تعنى دراسة الحرفة. وكلمة technologyمشتقة من الكلمة اليونانيةτεχνολογία (tekhnología) وتتألف من مقطعين هماτέχνη (tékhnē) وتعني فن أو حرفة أو مهارة، و (logía) λογία وتعني علم أو دراسة. والتكنولوجيا اصطلاحًا هي فرع من المعرفة يتعامل مع العلم الطبيعي والهندسة والفنون الصناعية، ويسعى إلى تطبيق المعرفة من أجل غايات عملية. وتختلف زوايا النظر إلى التكنولوجيا؛ فهناك من يرى أن التكنولوجيا هي الهندسة، وهناك من يرى أنها تركيب الأدوات والآلات، وهناك من يرى أنها المعرفة المتخصصة المستخدمة في صنع الأشياء بمساعدة العلم.
وفلسفة التكنولوجيا فرع بيْنيّ يتألف من أنواع مختلفة من التكنولوجيات، ومجموعة منوعة من المداخل الإبستمولوجية، والإنسانيات، والعلم الاجتماعي، والعلم الطبيعي، وعلم النفس، وعلوم الهندسة، وتعالجه مدارس فلسفية مختلفة مثل البراجماتية، والتحليلية، والفينومينولوجيا. وفلسفة التكنولوجيا بصفة عامة هي محاولة لفهم طبيعة التكنولوجيا، وفهم تأثير التكنولوجيا في البيئة والمجتمع والوجود الإنساني. (Jan Kyrre Berg Olsen, Stig Andur Pedersen and Vincent F. Hendricks, 2009: 1; Mario Bunge, 2014: 191)وهي فرع فلسفي جديد ظهر منذ نصف قرن تقريبًا، ولكنه من أسرع الفروع الفلسفية نموًا واتساعًا. ولا عجب في ذلك، إذ تدور مشكلات فلسفة التكنولوجيا مع التقدم التكنولوجي الذي يسير بخطى ما كانت لتخطر لأحدٍ على بال.
وفي هذه الورقة نحاول أن نبين حيث نبين مدى استفادة معظم اليونانين من الشرقيين فى مجال فلسفة التكنولوجيا ، وذلك من خلال أجابتنا على هذا السؤال الذى يطرح نفسه بشدة على هؤلاء المتأحزين إلى اليونان وهو : لماذا لم يتقدم اليونانيين فى المجال العلمي بأسرع مما تقدموا برغم دينهم لأسلافهم الشرقيين ؟
وللاجابة على هذا السؤال نعتقد أنه ربما ان معظم اليونانيين لم يكونوا متهئيين لتلقى التراث العلمى الشرقي الضخم دفعة واحدة ، أو أنهم عجزوا عن الألمام بأحسن ما فيه ، بحيث تلقوا مجرد شذرات منه ، وبالتالي لم يحصلوا من هذا التراث على الدفعة التى كانت من الممكن أن تنطلق بهم إلى أفاق ابعد بكثير من تلك التى بلغوها .
وأعتقد أن هذا لا يقال على كل فترات العلم اليوناني ، وإنما يقال على كل الفترة التى بين 400 و 330 ق.م ، وهي التى تتضمن ما قام به فلاسفة اليونان "سقراط وافلاطون وأرسطو " من أعمال فى مجال العلم ، حيث تتميز هذه الفترة بأن الأثر الشرقى فى مجال العلم ، كان ضعيفاً ومحدوداً فى العلم اليوناني في تلك الفترة ، بسبب الاعتقاد السائد في أن العلم الشرقى كان يغلب عليه الإستخدام العلمى للمعارف الموروثة، ولكنه لم يكن يملك نفس القدر من البراعة فى التحليل العقلى النظرى لهذه المعارف.
ومن هنا سعي معظم العلماء والفلاسفة اليونانيين فى تلك الفترة إلي جعل العلم نظرياً لا تطبيقياً، وذلك حين أكدوا أن المعرفة العلمية لكى تكون صحيحة ، يجب أن تنصب على الحقائق النظرية والعامة ، كما يجب أن ترتكز على براهين مقنعة ، وأن هدف العلم هو معرفة النظرية التي تسير الظواهر وفقا لها ، وليس القدرة على إستغلال هذه الظواهر والأنتفاع بها فى المجال التطبيقي (1).
وعندما أكد اليونايون ذلك كانوا فى الواقع يحاولون إبراز سمة أساسية من سمات العلم ، وهى أن العلم لا علاقة له بمجال التطبيق ، ولا صلة له بالعلم المادى بأكمله ، وإنما الواجب على العلم أن يكون عقلي فحسب . فالمثل الأعلي للعالم في نظرهم هو المفكر النظرى الذى يستخلص الحقائق كلها بالتامل النظرى . أما محاوله تدعيم هذه الحقائق بمشاهدات أو ملاحظات أو تجارب نجريها على المحيط بنا ، فكانت فى نظرهم خارجة عن العلم ، بل أنها تحط من قدر العلم وتجعله مجرد "ظن" أو"تخمين "، بل ان " أفلاطون " الذي كان فى الوقت نفسه ذا إلمام واسع بالرياضيات قد عاب علي أحد علماء الهندسة إلتجاءه إلى رسم أشكال هندسية لإيضاح حقائق هذا العلم ، ورأى أن إعطاء علم رفيع كالهندسة صورة محسوسة يمكن رؤيتها بحاسة العين ، وهو إنزال لهذا العلم من مكانته العالمية ، فيصبح جزء من عالم الأشياء المرئية والمحسوسة ، بينما ينبغى لكى يظل محتفظاً بمكانته ألا نستخدم فيه إلا التفكير العقلى وحده ، فتظل حقائق الهندسة "عقلية" على الدوام (2).