اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يَعتقد العلماء أنَّ حقيقة الفِراسة تكمن في أنَّ الله عزَّ وجل يضع في قلب المؤمن نوراً، يُعطيه لمن يشاء من عباده، يَجعله يُميّز بين الحق والباطل، ويجعل له قدرةً على كشف نفاقِ الأشخاص مِمّن حوله، فَيحيا قلب المؤمن بذلك النور ولا تُخطئ فِراسته، قال تعالى: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)، فالآية الكريمة توضِّح أنَّ قلب الإنسان كان ميتاً ولكن الله أحياه في بثّ النور فيه، وقال تعالى: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)، فقد كان الإنسان ميتاً بسبب جهله ولكن الله أعطاه الحياة بالإيمان والعِلم.
بيّن بعض العلماء أنّ الفِراسة عبارة عن أفكارٍ تخطر على بال المرء دون وجود ما يُعارضها، فإن تمّت معارضة هذه الأفكار فهي ليست فِراسة وإنّما حديث نفس، وربط أحد العلماء الفراسة بالإيمان؛ حيث بيّن أنّ بينهما رابطة قوية فلا تكون الفراسة إلا نتيجةً لوجود الإيمان، وقد قيل: (من غضَّ بصره عن المحارِم، وأمسك نفسه عن الشَّهوات، وعمَر باطِنه بالمراقبة، وظاهره باتَّباع السنة، وتعوَّد أكل الحلال، لم تُخطئ فِراسته)،
ورد عن عبد الله بن مَسعود رضي الله عنه أنّه قال: (إنّ أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه، والمرأة التي رأت موسى عليه السلام فقالت لأبيها: يا أبتِ استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله عنهما). وقد كان أبو بكر الصدِّيق أعظَم الأمّة الإسلامية فِراسة، يتبعه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ومن أمثلة الفِراسة التي وردت عن سيِّدنا عمر بن الخطاب أنّه مرَّ به سواد بن قارب ولم يكن عمر عرفه من قبل، فقال سيِّدنا عمر: (لقد أخطأ ظني، أو أنّ هذا كاهن، أو كان يعرف الكهانة في الجاهلية -رجل لا يعرفه- فلما جلس بين يديه قال له عمر ذلك: هل أنت كاهن أو تعرف الكهانة؟ قال: سبحان الله يا أمير المؤمنين! ما استقبلت أحداً من جلسائك بمثل ما استقبلتني به - لماذا اخترتني بالذات؟ لماذا قلت لي: هل أنت كاهن؟ فقال له عمر -رضي الله عنه-: ما كنا عليه في الجاهلية أعظم من ذلك، ولكن أخبرني عما سألتك عنه. قال: صدقت يا أمير المؤمنين، كنت كاهناً في الجاهلية. ثمّ ذكر القصة).