اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لمَّا استقرَّت الأُمُور في عهد مُعاوية بن أبي سُفيان، بدأ المُسلمون يستطلعون بلاد ما وراء النهر عن طريق إرسال السرايا والبُعُوث، كما فعلوا في مُعظم فُتُوحاتهم، ولِكي يُمهدوا لِفتحها اتخذوا مرو الشاهجان قاعدةً لِلفتح، في خُراسان المُقابلة لِبلاد ما وراء النهر، بحيثُ كانت المدينة المذكورة أشبه بِالثغر، فأنزلوها جُنُودهم مُنذُ سنة 45هـ المُوافقة لِسنة 665م. وفي السنة المذكورة، عيَّن مُعاوية بن أبي سُفيان زياد بن أبيه واليًا على العراقين (عراق العرب وعراق العجم)، فعيَّن الأخير الحكم بن عمرو الغفاري عاملًا على خُراسان وجعل معهُ رجالًا على كُورٍ مُتعددة، وأمرهم بطاعته وجباية الخِراج، وفي سنة 48هـ المُوافقة لِسنة 668م، غزا الحكم طُخارستان مُجددًا فغنم غنائم كثيرة، ثُمَّ سار إلى جبال الغُور بين هراة وغزنة وغزا أهلها الذين ارتَّدوا عن الإسلام، فأخذهم بِالسيف عنوةً وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة. وغزا الحكم بعض جبال التُرك بِثُغُور خُراسان بما فيها جبل الأشل، إلَّا أنَّ التُرك سيطروا على شعاب وطُرق الجبل المذكور فحاصروا المُسلمين فيها ولم يُمكنوهم من الخُروج، فاحتار الحكم بِالأمر ولم يتمكن من إخراج جُنُوده من هذا المأزق، فولَّى أحد دُهاة المُسلمين شؤون الحرب، وكان هذا الرجل هو المُهلَّب بن أبي صفرة الأزدي، فنصب فخًا استدرج إليه أحد القادة التُرك عن طريق الخدعة وأسره، وهدَّده بِالقتل إن لم يُخرج المُسلمين من هذا الضيق، فنصحهم بإشعال النيران في إحدى الطُرق وتسيير الأثقال نحوه، ففعل ذلك، مما جعل قبائل التُرك المُحاصرة تتوجه نحو ذلك الطريق أملًا بِالقضاء على الجيش الإسلامي، فباغتوهم وخرجوا من الجبل من طريقٍ آخر قبل أن يُدركوهم، فسلموا بما معهم من الغنائم. وفي سنة 48هـ المُوافقة لِسنة 668م، قطع الحكم نهر جيحون وعبر إلى ما وراء النهر، فكان أوَّل قائدٍ مُسلمٍ يعبره، وكان أوَّل من شرب من مائه هو أحد موالي الحكم ، فقد اغترف بِترسه من ماء النهر، فشرب وناول الحكم فشرب وتوضَّأ وصلَّى ركعتين، فكان أوَّل من فعل ذلك من المُسلمين. ومن الواضح أنَّ فتح الصغانيان كان سنة 48هـ المُوافقة لِسنة 668م أو سنة 49هـ المُوافقة لِسنة 669م، لِأنَّ الحكم رجع من غزو جبال الغور سنة 47هـ المُوافقة لِسنة 667م، ومات سنة 50هـ المُوافقة لِسنة 670م على أرجح الأقوال، فكانت سنة ثمانٍ وأربعين الهجريَّة وتسعٍ وأربعين الهجريَّة هي المُدَّة التي بقيت من حياته لِلنُهُوض بِفتح الصغانيان، لِأنَّهُ قضى سنة خمسين الهجريَّة - آخر سنيّ حياته - في غزو جبل الأشل، فلمَّا عاد من غزوته هذه مات. أضف إلى ذلك، قال الإمام عبدُ الله بن المُبارك المروزي لِرجُلٍ من أهل الصغانيان: «مَن فَتَحَ بِلِادِك؟»، فقال الرجُل: «لا أدري»، فقال ابنُ المُبارك: «فَتَحَهَا الحَكَمُ بْنُ عَمْرُو الغِفَارِيُّ».
وفي سنة 51هـ المُوافقة لِسنة 671م عيَّن زياد بن أبيه الربيع بن زياد الحارثي عاملًا على خُراسان وكلَّفه بِتوطيد أقدام المُسلمين والإسلام فيها، فنقل الناس عيالاتهم إلى خُراسان، ووُطِّنوا بها. وما أن وصل الربيع إلى خُراسان حتَّى قرَّر استرجاع ما تيسَّر لهُ ما بلاد ما وراء النهر التي خرجت عن الطاعة أثناء قيام الفتن الداخليَّة بين المُسلمين، فغزا مدينة بلخ أولًا وفتحها صُلحًا من جديد وأمَّن أهلها على أنفسهم ومُمتلكاتهم وأموالهم. ولمَّا كانت مدينة بلخ على الدَّوام باب بلاد ما وراء النهر الجنوبي، وكانت باستمرار عُرضةً لِهجمات التُرك القادمين من وراء النهر وممرهم نحو خُراسان لِيغزونها، لِذلك قرَّرت الخِلافة في دمشق فتح بلاد ما وراء النهر لِلدفاع عن بلخٍ بِخاصَّةٍ وخُراسان بِعامَّةٍ، لأنَّ الهُجُوم أنجح وسائل الدفاع، فكان أن أصبحت بلخ القاعدة المُتقدمة لِلمُسلمين في فتح بلاد ما وراء النهر. وفتح الربيع بن زياد قهستان عنوةً، وكانت بناحيتها أتراك، فقاتلهم وهزمهم. تُوفي زياد بن أبيه بِالكوفة سنة 53هـ المُوافقة لِسنة 672م، وكان قُبيل وفاته قد نقل حوالي 50,000 جُنديٍ مُسلمٍ من البصرة والكوفة وأسكنهم وعائلاتهم بِمرو لِجعلها قاعدة انطلاق فُتُوحاتٍ أُخرى نحو بلاد ما وراء النهر، ولِتعليم التُرك والفُرس حديثي الإسلام فيها مبادئ الدين الإسلامي وأُصُوله. وبعد وفاة زياد بن أبيه عيَّن مُعاوية بن أبي سُفيان عُبيد الله بن زياد بن أبيه عاملًا على خُراسان وأوصاه باستكمال عمل والده، فسار عُبيد الله من الشَّام في آخر سنة 53هـ المُوافقة لِسنة 672م مُتوجهًا نحو مقر ولايته الجديدة. وعندما وصل خُراسان سنة 54هـ، قطع النهر إلى جبال بُخارى على الإبل في أربعةٍ وعشرين ألفًا، فكان عُبيد الله أوَّل من قطع من المُسلمين جبال بُخارى في جُندٍ، ففتح «راميثن» و«نسف» وبيكند؛ فأرسلت خاتون ملكة بُخارى إلى التُرك تستمدهم، فجاءها منهم عددٌ كبير، فلقيهم المُسلمون وهزموهم بعد قتالٍ شديدٍ وانتصروا عليهم؛ فبعثت خاتون تطلب الصُلح والأمان، فصالحها عُبيد الله على ألف ألف درهم، ولم يفتتح بُخارى واكتفى بِفتح بيكند وعاد بِرجاله إلى خُراسان. وكان قتال عُبيد الله التُرك من المعارك التاريخيَّة الأبرز في تاريخ خُراسان، نظرًا لِبأسه الشديد ولِضُروب الشجاعة والمهارة التي أظهرها كُلٌ من المُسلمين والتُرك في ميدان القتال، فقد ذكر شاهدٌ عيان فقال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ بأْسًا مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ! لَقِينَا زَحفُ التُّركِ بِخُرَاسَانِ، فَرَأَيتُهُ يُقَاتِلُ فَيَحمِلَ عَلَيهِمُ فَيَطعَنُ فِيهِمُ وَيَغِيبُ عَنَّا، ثُمَّ يَرفَعُ رَايَتِه تِقطِرُ دَمًا». وبقي عُبيد الله بِخُراسان سنتين، إذ ولَّاهُ مُعاوية البصرة سنة 55هـ، فقدم معهُ البصرة خلقٌ من أهل بُخارى بلغوا ألفان.