اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لا يمكن لمن يتعرض لكاتبة تاريخ بولاق أن ينسى أنصع صفحات هذا التاريخ. وهي بكل المقاييس من أنصع صفحات التاريخ المصري الحديث، لأنها تكشف المعدن الأصيل للشعب المصري، الذي ثار وحارب وقاوم وهو يعلم أن عدوه يملك أحدث الأسلحة.. بينما هو لا يملك إلا النبابيت والعصى.. وعددا محدودا من البنادق والطبنجات.. فماذا يقول تاريخ المقاومة الشعبية المصرية عن بولاق وفتوات بولاق؟ بداية نذكر القارئ أن بولاق كانت بلدة من ضواحي القاهرة.. تقع على شط النيل، بينما القاهرة في حضن الجبل.. وأقصى إستاع لها هو منطقة الأزبكية، كان هذا أيام الحلمة الفرنسية التي جاءت مصر بقيادة بونابرت عام 1798 م. وعرف الفرنسيون أهمية موقع بولاق لأن منها ينطلقون إلى الوجه البحري كله. ولهذا كان اهتمامهم بهذه البلدة عظيما، وليس أفضل من الجبرتي عندما يصف هذه الفترة لأنه عاشها وعاصرها يوما بيوم.
يقول عبد الرحمن الجبرتي إنه في اليوم الخامس من ديسمبر عام 1798 م جدد الفرنسيون قنطرة المغربي، وكانت قد آلت إلى السقوط. ثم مهدوا الأرض بعدها بحيث صار جسرا عظيما ممتدا مستويا على خط مستقيم من الأزبكية إلى بولاق بطول 1200 مترا من قنطرة المغربي إلى بولاق، ثم ينقسم بقرب بولاق إلى قسمين أحدهما إلى طريق أبو العلا والثاني يذهب إلى جهة التبانة وساحل النيل.. وبطريقة الطريق المسلوكة الواصلة من طريق أبي العلاء وجامع الخطيري إلى ناحية المدابغ، دون أن يسخروا العمال، بل كانوا يعطونهم زيادة في الأجر. وأقام الفرنسيون محاجر صحية في القاهرة "بجزيرة بولاق" والإسكندرية ودمياط ورشيد. ويضيف الجبرتي أن الفرنسيس عملوا "كرنتيلة" بجزيرة بولاق، وبنوا هناك بناة يحجزون به القدامين من أسفار أياما معدودة. كل جهة من الجهات القبلية والبحرية، وذكر الدكتور "لاري" كبير جراحي الحملة الفرنسية أنهم أنشؤوا محجرا آخر في جزيرة الروضة.
وكجزء من الاهتمام الحربي ببولاق وتحسبا لي أحداث داخلية أو خارجية، أقام الفنرسيون عددا من الطوابي الحربية، خص منها في بولاق طابية "رنزلو" في جنوب بولاق. وطابية "سبتزر" على شاطئ بولاق، وطابية "كونرو" غربي الأزبكية على طريق بولاق، ربما تكون في الموقع الذي تشغله الآن دار القضاء العالي. كما وضعوا قاعدة بحرية للسطول الفرنسي عند بولاق لحماية الملاحة في الينل وحماية نقل الغلال إلى القاهرة. وإذا كان أهل بولاق لم يساهموا مساهمة ظاهرة في ثورة القاهرة الأولى "أكتوبر 1798 م" إلا أنهم من فجروا ثورة القاهرة الثانية، بل هم الذين قادوها. هكذا سجمع كل من أرخ لهذه الثورة سواء الجبرتي أو الرافعي، بل أيضا قادة الحملة الفرنسية أنفسهم.. وقد شبت ثورة القاهرة الثانية يوم 20 مارس 1800 م، بينما كانت معركة عين شمس قائمة بين الجيش الفرنسي بقيادة كليبر، والقوات العثمانية التي جاؤت من عاصمة الإمبراطورية العثمانية لإخراج الحملة الفرنسية من مصر.
وكان من زعماء الثورة: السيد عمر مكرم نقيب الأشراف، والسيد أحمد المحروقي كبير التجار، والشيخ الجوهري ابن الشيخ محمد الجوهري.. ولم يكد سكان العاصمة يسمعون قصف المدافع في ميدان المعركة.. حتى بدأت الثورة في حي بولاق. وفي ذلك يقول الجبرتي ".. أما بولاق فإنها قامت على ساق واحدة.. وتحزم الحاج مصطفى البشتيلي "نسبة إلى قرية بشتيل القريبة من إمبابة" وأمثاله من دعاة الثورة وهيجوا العامة.. وهيؤوا عصيهم وأسلحتهم ورمحوا "بالرماح" وصفحوا "أي تصفحوا للدفاع" وأول ما بدؤوا به أنهم ذهبوا إلى وطاق الفرنسيين "موقع عسكري تجاري ومخازن للمؤن" الذي تركوه بساحل البحر "النيل" وعنده حرس منهم قتلوا من أدركوه منهم، ونهبوا جميع ما به من خيام ومتاع ورجعوا غلى البلد "يقصد بولاق" وفتحوا مخازن الغلال والودائع التي للفرنساوية، وأخذوا ما أحبوا منها، وعملوا "كرانك" أي "حصونا" حوالي البلد.. ومتاريس. فمن زعيم ثورة بولاق"!
هو مصطفى البشتيلي من أعيان بولاق، وتكلم الجبرتي، عندما إعتقلوه الفرنسيون قبل الثورة بعدة أشهر، فقال إن الفرنسيين إعتقلوه يوم 4 أغسطس 1799 م لما بلغهم من بعض الوشاة أن بوكالته قدورا ملوءة بارودا "أي أن الرجل كان يستعد للثورة" ففتشوا الوكالة، ووجدوا البارود في القدور، فضبطوها، وإعتقلوه. ولم يذكر الجبرتي متى أفرجوا عنه أو أطلقوا سراحه قبل نشوب الثورة. ولكن – من ظاهر الأحداث – أي أنهم أطلقوا سراحه بعد توقيع معاهدة العريش، التي كانت تنظم انسحابهم من مصر.. أي أنهم أفرجوا عنه عندما عزموا على الجلاء، فلما نقضت هذه المعهدة وتجددت الحرب، كان الحاج مصطفى البشتيلي من دعاة الثورة في بولاق. فقد صار "أهل بولاق" وحمولا ما وصلت إليه أيديهم من السيوف والبنادق والرماح والعصى، وإتجهوا بمجموعهم صوب قلعة "كامان" التي أقامها الفرنسيون عند قنطرة الليمون "كوبري الليمون الآن" لاقتحامها والاستيلاء على ما بها من أسلحة فرنسية، وكلن حامية القلعة ردت هجموهم.
وعاد كليبر إلى القاهرة يوم 27 مارس، بعد أن هزم القوات العثمانية في عين شمس والمطرية، فوجد نار الثورة تضطرم في أحياءها.. وشاهد في بولاق ومصر القديمة حصونا أقامها الثوار للدفاع. ووجد جميع الوكائل والمخازن التي على النيل قد تحولت إلى شبه قلاع احتلها الثوار. وصارت الملاحة في النيل تحت رحمتهم. وعندما أنهي الجنرال "بليار " ثورة دمياط، وعاد بمعظم قواته إلى القاهرة يوم 13 إبريل، عسكر أمام بولاق التي كانت قد تحولت إلى معقل الثورة. فلما وصل هذا المدد اعتزم كليبر أن يستولي عنوة على حي بولاق ويخمد فيه الثورة بكل ما لديه من قوة.