اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
مضى السُلطان مُراد في حركة الجهاد والدعوة وفتح الأقاليم في أوروپَّا، وانطلق جيشه بِفتح مقدونيا مما أثار الممالك الأوروپيَّة مُجددًا، فتنادى المُلُوك مرَّةً أُخرى إلى إعلان حملةٍ صليبيَّةٍ جديدةٍ ضدَّ العُثمانيين. وفي تلك الفترة كان أسطفان أوروك الخامس قد اعتلى عرش إمارة الصرب خلفًا لِأسطفان دوشان، وكان مُتحمسًا لِقتال المُسلمين وإخراجهم من أوروپَّا، مُقتديًا بِأماديوس السادس. فلم ينتظر وُصُول المدد إليه من أوروپَّا الغربيَّة، بل استعان بِأُمراء البشناق والأفلاق وبِعددٍ عظيمٍ من فُرسان المجر والبُلغار إلى جانب عساكره الصربيين، فاستطاع أن يحشد جيشًا عرمرميًّا بلغ تعداده حوالي سبعين ألف جُندي، وسار بهم باتجاه مدينة أدرنة عاصمة الممالك العُثمانيَّة، مُستغلًا انهماك مُراد الأوَّل بِمُحاصرة مدينة بيجا، الواقعة إلى الجنوب من بحر مرمرة، وهو يُمنِّي النفس بِالنصر، وسار معهُ لويس الأوَّل ملك المجر وتڤرتكو ملك البشناق، والأميرين الأفلاقيين باساراب ولايكو. فلمَّا وصل خبر تقدُّم التحالُف الصليبي إلى آذان العُثمانيين أمر السُلطان مُراد قسمًا من الجيش أن يسير لِمُلاقاتهم، وعيَّن البكلربك لاله شاهين باشا والحاج إفرينوس بك الرومي أميران على رأس الجيش. ولم يرَ إفرينوس بك ضرورةً لانتظار السُلطان مُراد ريثما يعود من حملته في آسيا الصُغرى، فتفاهم مع لاله شاهين باشا وقرَّرا مُجابهة العدو والقضاء عليه قبل عودة السُلطان لا سيَّما وأنَّ الصليبيين أصبحوا على مسافة كيلومترات قليلة من أدرنة.
اقترح أحد القادة العُثمانيين المُخضرمين، وهو الحاج إيل بك البالقي، أن يُبادر العُثمانيُّون بِالهُجوم ويأخذون الصليبيين على حين غرَّة، فوافقه الأميران على ذلك. فسار إيل بك إلى المُعسكر الصليبي على شاطئ نهر مريݘ، يُرافقه 10,000 جُندي، فباغت الصليبيين ليلًا وأوقعهم في ارتباكٍ كبير حتَّى أنَّهم قاتلوا بعضهم بعضًا في الظلام دون أن يُدركوا ما يحصل، ولم يلبثوا إلَّا قليلًا حتَّى ولُّوا الأدبار، فحلَّت بهم الكارثة، إذ غرق الآلاف منهم في نهر مريݘ بما فيهم الأميران الأفلاقيَّان، ونجا لويس ملك المجر من الموت بِأُعجوبة، وعندما انقشع غُبار المعركة وطلع نُور الصباح انكشف حجم المُصيبة التي حلَّت بِالتحالف، إذ فقدوا كثيرًا من الجُنُود والقادة، فهبطت معنويَّاتهم وتبدَّدت آمال القيصر الصربي والملك المجري بِتحقيق نصرٍ كبير. وعُرفت هذه المعركة الليليَّة في المصادر التُركيَّة بـ«الطريق إلى الصرب» أو «حرب القضاء على الصرب» (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: جنگ صرب صنديغى أو صرب صنديغى مُحاربه سى؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Sırpsındığı Muharebesi)، لِأنها أتاحت لِلعُثمانيين فتح مقدونيا وانتزاعها من أيدي الصربيين. لم يلبث لاله شاهين باشا طويلًا إلَّا وسار على رأس جيشٍ يُقدَّر بِثمانمائة جُندي إلى من تبقَّى من الجيش الصليبي على شاطئ نهر مريݘ، فاشتبك معهم في معركةٍ ضارية عند بلدة شيرمن وتغلَّب عليهم، وقُتل منهم العديد وغرق آخرون مُجددًا لمَّا حاولوا عُبُور النهر، ولم يبقَ من الجيش إلَّا فئة قليلة جدًا استطاعت أن تنجوا بنفسها وتعود إلى بلادها، ومن هؤلاء كان ملك المجر لويس الأوَّل، الذي شيَّد كنيسةً لِمرضاة السيِّدة مريم العذراء إظهارًا لِشُكره، بِمُجرَّد عودته إلى بلاده. كانت المعركة بين العُثمانيين والصليبيين ضاريةً لِدرجة أنَّ الثرى كان مُخضبًا بِالدماء بِشكلٍ جليٍّ، كما أنَّ نهر مريݘ جرى أحمرًا لِكثرة ما احتواه من الجُثث.
بعد ذلك فتح العُثمانيُّون مدائن سوزوپول ودرامة وقولة وسيروز، فتمَّ لهم السيطرة على أطراف إقليم تراقيا وفتح إقليم مقدونيا، ووصلوا إلى جنوبي بُلغاريا وإلى شرقيّ الصرب، وأصبحت بِالتالي جميع مُدن وأملاك الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة والقيصريتين البُلغاريَّة والصربيَّة مُهددة بِالسُقوط في أيدي المُسلمين. وابتهج العالم الإسلامي بالانتصار الذي تحقق في أوروپَّا، فنال مُراد الأوَّل لقب «سُلطان» بِصُورةٍ رسميَّة من الخليفة العبَّاسي المُقيم بِالقاهرة أبو عبد الله مُحمَّد المُتوكِّل على الله، لِيُصبح بِهذا أوَّل حاكمٍ من آل عُثمان ينال هذا اللقب، بعد أن كان والده أورخان وجدِّه عُثمان يحملون لقب «أمير» أو «بك» فقط. كما خلع الخليفة العبَّاسي على السُلطان مُراد ألقابًا تشريفيَّة عديدة أُخرى تقديرًا لِما قدَّمهُ لِلإسلام، وتلك الألقاب هي: «سُلطانُ الغُزاة والمُجاهدين»، و«ملكُ المشايخ»، و«الملكُ العادل»، و«غيَّاثُ الدُنيا والدين»، و«شهابُ الدين غازي هنكار خُداونگار»، و«ليثُ الإسلام»، و«أبو الفتح»، و«غيَّاثُ المُسلمين». كما أدَّى هذا الانتصار إلى تلقيب الجنويين لِمُراد بِـ«الملك أمير التُرك» (باللاتينية: Dominus Armiratorum Turchie). أمَّا قيصر الصرب أسطفان أوروك، الرأس المُدبِّر لِهذه الحملة، فقد اتهمهُ النُبلاء والأعيان بِالضعف وتحاملوا عليه بعد هزيمة مريچ، فانكفأ دوره السياسي، وتُوفي بعد بضعة أشهُرٍ دون أن يترك وريثًا.