اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إن الإنسان عندما يختلط بالناس ويتعامل معهم يظهر له صحة ما هو عليه من الآراء والأفكار والأخلاق وما يكنه في نفسه خطأه، وما ذلك إلّا لأنّ الأصحاب كالمرآة فالواحد منّا عندما ينظر في المرآة يتبين له جمال شكله من قبحه، فعندما كان الأصحاب كالمرآة من حيث إنّه بهم يكتشف الإنسان صحة ما هو عليه من خطائه فتظهر له عيوب نفسه وأخطائها.
من أجل ذلك كان من الواجب عليه أن يختار الصحبة الصالحة التي يكتشف من خلالها عيوب نفسه وأخطائه، فإنّ كان هؤلاء الأصحاب من أهل الإيمان بالله تعالى ظهرت له أفعاله وتصرفاته بصورة صحيحة كالمرآة الصافية، أمّا إنّ كانوا من أصحاب المعصية والبعد عن الله تعالى ظهرت له تصرفاته وأفعاله وما يكنه في صدره بصورة معكوسة حيث يبدو له الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن مرآة المؤمن) أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، (المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى) أي أن المؤمن يجد خطأه في وجه أخيه المؤمن عندما ينكر عليه ذلك وينصحه ويرشده إلى التخلص منه من غير أن يكون بينهما بغض وحسد.
عندما كانت فائدة الصحبة عظيمة اشترط الصوفية في السلوك والسير إلى الله تعالى أن يصحب المريد شيخاً عارفاً بالله تعالى قد وصل إلى مرتبة من الإيمان حتى أنه كالمرآة فيكشف لذلك المريد عيوب نفسه والأمراض التي هو واقع فيها ويساعده على التخلص منها وذلك لأنه لا يوجد إنسان لا يخلو من العيوب وأمراض النفس التي لا يستطيع أن يدركها بنفسه كالرياء والعجب والكبر والبخل، ومما يدل على صحة شرط الصحبة عند الصوفية أن الصحابة رضي الله عنهم لم يستطيعوا أن يتغيروا عما كانوا عليه في الجاهلية إلا بمصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالستهم له.
قد يخطئ من يظن أنه يستطيع أن يداوي نفسه من غير أن يصحب من يدله على عيوب نفسه وذلك بتلاوة القرآن والحديث الشريف، فلو كان أحد يستطيع ذلك لاستطاع الصحابة رضي الله عنهم ذلك فإنهم حفظوا القرآن وتمثلوا به لكنهم لم يستطيعوا أن يخرجوا من أمراض نفوسهم إلا بصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يطبب قلوب الصحابة ويزكي نفوسهم بحاله وقاله.
قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) -الجمعة 2-، فالله سبحانه وتعالى بين لنا أن المهمة الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل التعليم هي التزكية وإظهار عيوب النفس وأمراض النفس وكيفية مداواتها، فأكد سبحانه وتعالى بذلك فائدة أن يكون للإنسان من يظهر له عيوب نفسه بأن يتخذ شيخاً قد كمل إيمانه عارفاً بعيوب النفس وأمراضها بحيث يجلو له مرآة قلبه.
إذا كانت مجالسة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهضت بحالهم وارتقت بنفوسهم عن مستوى البشرية وسمت بأرواحهم إلى مستوى ملائكي وطهرت قلوبهم من أردان المادة وسمت بالإيمان إلى مستوى المراقبة والشهود فهكذا أيضاً مجالسة العارفين بالله الوارثين لرسول الله صلى الله عليه وسلم تزكي النفوس وتزيد بالإيمان وتوقظ القلوب وتذكر بالله تعالى والبعد عنهم يورث الغفلة وانشغال القلب بالدنيا وميله إلى متع الحياة الزائلة.