English  

كتب عهد الموحدين

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

العهد المُوحدي (معلومة)


    سقطت مُرَّاكش العاصمة المُرابطيَّة بيد عبد المؤمن بن علي زعيم الحركة المُوحديَّة الثوريَّة في 18 شوَّال 541هـ المُوافق فيه 24 آذار (مارس) 1147م، وقُتل آخر أُمرائها إبراهيم بن تاشفين، وجلس المُوحدون على عرش المُرابطين وآلت إليهم أملاكهم، بما فيها الأندلُس. وكانت الأندلُس في تلك الفترة على وشك أن تضيع مُجددًا بعد أن ضعفت الدولة المُرابطيَّة ونتيجة الثورات والحركات الاستقلاليَّة فيها، وتوثُّب الممالك النصرانيَّة واستعدادها لاستئناف حركة الهُجوم عليها. أرسل عبد المُؤمن بن عليّ ثلاثة جُيوشٍ عبرت إلى الأندلُس في مُحرَّم 541هـ المُوافق فيه حُزيران (يونيو) 1146م، وانتشرت في جنوبي البلاد بعد أن نجحت في السيطرة عليها، ووضعت حاميات عسكريَّة في طريف والجزيرة الخضراء وشريش وغيرها، وضمَّت ليلة وميرتلة وحصن طبيرة وبطليوس وشِلب وباجة ويابرة وإشبيلية ومالقة، ودخل سُكَّانُ هذه المُدن في طاعة المُوحدين وخطبوا لهم على المنابر. وبعد فترةٍ من دُخول المُوحدين إلى الأندلُس، إرتدَّت مُعظم المُدن سالِفة الذِكر عن طاعتهم، ومنع بعضُ أُمرائها وُصول المُساعدات من المغرب، ومردُّ ذلك أنَّ الأندلُسيين بعامَّة كانوا يكرهون كُل ما هو مغربيّ، وقد اضطرَّتهم الظُروف السياسيَّة إلى الاستعانة بالمُوحدين لِطرد المُرابطين من بلادهم آملين أن يتغيَّر وضعهم السياسي في ظل حُكمهم، ولكن عندما تصرَّف المُوحدون كالمُرابطين ومنعوا سيادة الزعامات المحليَّة، ثاروا عليهم. نتيجةً لِهذا الوضع المُتدهور، أرسل عبدُ المُؤمن بن عليّ تعزيزاتٍ عسكريَّةٍ بِقيادة يُوسُف بن سُليمان، وأمره بالقضاء على الثورات التي اندلعت ضدَّ حُكمه، واستكمال ضمَّ البلاد، فاستسلمت له مدينتيّ قُرطُبة وقرمونة، وأرسل السرايا لِضم بقيَّة أراضي وسط الأندلُس، وآثر ملك قشتالة عدم الاشتباك بهم، فسحب قُوَّاته من مدينتيّ أبدة وبياسة، ودخلتهُما القُوَّات المُوحديَّة. وضمَّ المُوحدون بقيَّة مناطق وحُصون المنطقة بعد أن هرب منها أُمرائها، باستثناء غرناطة وأنتقيرة ومالقة ووادي آش، بينما كانت ألمرية بيد النصارى مُنذُ استيلائهم عليها في سنة 542هـ المُوافقة لِسنة 1147م. وبحُلول سنة 551هـ المُوافقة لِسنة 1156م، كان جميع أصحاب وأُمراء المُدن سالِفة الذِكر قد تنازلوا عنها إلى المُوحدين أو انضوا تحت لوائهم بكامل إرادتهم، أو تمَّ خلعهم. وفي سنة 552هـ المُوافقة لِسنة 1157م، تمكَّن المُوحدون من استرجاع ألمرية من القشتاليين بعد حصارٍ دامع سبعة أشهر.

    فقد المُسلمون في بداية العهد المُوحدي جميع قواعدهم في الثغر الأعلى، فسقطت مُدن طرطوشة ولاردة في يد رامون يرنگار الرابع كونت برشلونة، واستولى القشتاليّون على أقليش وسرانية وإفراغة وكناسة. وفي عهد أبي يعقوب يُوسُف بن عبد المُؤمن (55ه - 580هـ 1163 - 1184م) ضمَّ المُوحدون شرقيّ الأندلُس الذي كان تحت حُكم مُحمَّد بن سعد بن مرنديش مُولَّوديّ الأصل، وتفرَّغوا للجهاد ضدَّ الممالك المسيحيَّة المُجاورة، وفي صَفَر 566هـ المُوافق فيه تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1170م، أعلن الخليفة المُوحدي أبو يعقوب يُوسُف بدء الجهاد، فغزا مدينة وبذة قُرب إشبيلية، وفتح حصنيّ بلج والكرس، واشتبك مع القشتاليين في مكانٍ يُعرف بِفحص كركوي على مقربة من قلعة رباح وهزمهم شرَّ هزيمة وقتل قائدهم الكونت خمينو. كما هاجم أحواز طلبيرة وطُليطلة، فخشيت قشتالة من غزواتٍ أُخرى في الوقت الذي كانت فيه في حربٍ مع مملكة نبرَّة بشأن السيطرة على الحُصون الحُدوديَّة؛ فمالت إلى الصُلح، وأبرمت مُعاهدة سلام مع الخليفة استمرَّت ثلاث سنوات قضاها الأخير في بناء وتعمير الأماكن المُقفرة وإصلاح الثُغور. ما كاد الخليفة أبو يعقوب يُوسُف يُغادر الأندلُس عائدًا إلى مُرَّاكش حتَّى نقض ألفونسو الثامن الهدنة واستأنف الحرب ضدَّ المُسلمين، فسار بقوَّاته إلى قونقة، وهي من حُصون ولاية بلنسية الأماميَّة المنيعة، وحاصرها فترةً من الزمن، فاضطرَّ سُكَّانُها عندئذٍ تحت ضغط الجوع والمرض والعطش إلى الاستسلام، فدخلها الملك القشتالي وجعلها مركزًا أسقفيًا. ترتَّب على سُقوط قونقة امتداد حُدود مملكة قشتالة ناحية الشرق، كما شجَّعت ملك أراگون على غزو الأندلُس. وتجنُبًا لِنُشوب الخِلاف بينهما بشأن تقسيم المناطق الإسلاميَّة، عقد الملكان اتفاقيَّة كاسولا في شوَّال 574هـ المُوافق فيه آذار (مارس) 1179م، ورسما حُدود مناطق الاقتطاع، فكان نصيب ملك أراگون الأراضي الإسلاميَّة الواقعة في شرقيّ الأندلُس، واختصَّ ملك قشتالة بالأراضي الواقعة وراء تلك البلاد. وفي 17 صفر 578هـ، المُوافق فيه 22 حُزيران (يونيو) 1182م، غزا ملك قشتالة قُرطُبة وإشبيلية، وعاث في أراضيهما، وهاجم إستجة ورندة واستولى على حصنيّ المنار وشنتفيلة. وكان الحصن الأخير منيعًا، وموقعهُ إستراتيجيّ بين قُرطُبة وإشبيلية، فاهتمَّ الملكُ القشتاليّ بتحصينه نظرًا لِأهميَّته، وقال حين استولى عليه: «الآنَ آخُذُ قُرْطُبَةَ وَإِشبِيلِيَة». أدرك المُوحدون أهميَّة وخُطورة الضربة التي تلقوها بِفُقدان حصن شنتفيلة، فحاولوا استعادته لكنهم فشلوا، فغزوا أراضي قشتالة عوض ذلك حتَّى وصلوا طلبيرة واشبكوا مع القشتاليين وانتصروا عليهم. وبعد وفاة أبو يعقوب يُوسُف، تولّى ولده أبو يُوسُف يعقوب المنصور شؤون الخِلافة المُوحديَّة، فأبرم صُلحًا مع ألفونسو الثامن لِيتفرَّغ لِقتال مملكة الپرتغال انتقامًا لِهزيمة والده ومقتله على أيدي الپرتغاليين. وبعد أن استردَّ بعض الحُصون عاد إلى المغرب، فانتهز ألفونسو الثامن هذه الفُرصة ونقض مُعاهدة الصُلح، وهاجم أراضي الأندلُس حتَّى بلغ جنوبها، ودمَّرت قوَّاته في طريقها كُلَّ شيءٍ بدون هوادة أو رحمة. وما أن علم الخليفة المُوحدي بما جرى في الأندلُس حتَّى عبر إليها على رأس جيشٍ كبير بلغ تعداده أكثر من مئة ألف مُقاتل، والتحم مع القشتاليين في رحى معركةٍ طاحنة وهزمهم هزيمة قاسية وكبَّدهم نحو ثلاثين ألف قتيل، وقضى على قُوَّتهم الميدانيَّة وأدخلهم في كبوةٍ عسكريَّة دامت عدَّة سنوات، وأسر منهم نحو عشرين ألف جُندي، عاد وأطلق سراحم جميعًا من دون افتداء.

    عملت الممالك النصرانيَّة، بعد أن أدركت مدى حرج وضعها على إثر هزيمتها في معركة الأرك، على التحالف ونبذ الخلافات للتصدي للخطر الإسلامي، فعقد ملكا قشتالة وليون الصُلح، كما عُقدت مُعاهدة صُلح بين قشتالة ونبرَّة، وتمَّ تحقيق السلم والتحالف في السنة التالية بين نبرَّة وأراگون، كما تحالفت قشتالة والپرتغال، واتفق الجميع على غزو الأندلُس والتعاون على قتال المُسلمين. وبارك البابا أنوسنت الثالث هذه الخُطوة، وأيَّد قيام حملة صليبيَّة في أيبيريا، مُناشدًا المُلوك والأُمراء المسيحيين المُساعدة، فتوافد المُتطوعون وفُرسان الجمعيَّات الدينيَّة من كافَّة أنحاء المُدن الإسپانيَّة والفرنسيَّة بِقيادة رجال الدين، وقد تقلَّدوا شارة الصليب. واحتشد في طُليطلة أكثر من مائتيّ ألف مُقاتل من الفُرسان والمُشاة، وخرجوا منها في 17 مُحرَّم 609هـ المُوافق فيه 20 حُزيران (يونيو) 1212م، فاستولوا على قلعة رباح وحصن العُقاب، والتقى الجمعان يوم الإثنين 15 صفر 609هـ المُوافق فيه 17 تمُّوز (يوليو) 1212م، فدارت بينهما رحى معركة ضارية انهزم فيها المُسلمون وانسحبوا عائدين إلى إشبيلية. قضت تلك الهزيمة نهائيًا على سُمعة المُوحدين العسكريَّة في شبه الجزيرة الأيبيريَّة، وتحطَّم ذلك الدرع الذي كانت تُشكلهُ الجُيوشُ المُوحدية القادمة من وراء البحر لِحماية المُسلمين في الأندلُس من هجمات النصارى، وتضعضع الحُكم المُوحدي في هذه البلاد التي أخذت مُنذ ذلك الحين تنحدر إلى براثن الفوضى الطاحنة. كما فتحت المعركة الباب واسعًا لاستئناف الهُجوم المُنظم على بِلاد المُسلمين وانتزاع مُدنهم واقتطاع أشلاء الأندلُس بِصورةٍ مُتتابعة، وفي مُددٍ زمنيَّةٍ قصيرة. ومع وفاة مُحمَّد الناصر، أخذت دولة المُوحدين تنهار في المغرب والأندلُس، فقد جاء بعده خُلفاء ضعاف لم يكونوا على مُستوى الأحداث الخطيرة آنذاك، وأبرزُها اتحاد مملكتيّ قشتالة وليون.

    المصدر: wikipedia.org