English  

كتب عهد العرب المسلمين

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

عهد العرب المسلمين (معلومة)


الراشدون والأمويون

لم يؤثر ظهور الخلافة الإسلامية على أنقاض الدولة الساسانيّة بشكل ملحوظ على كنيسة المشرق في البداية. حيث سرعان ما حاول يشوعيهب الثاني التوصل إلى ضمان الحرية التي كانوا يتمتعون بها في أواخر عهد الساسانيين. كما استمرت المنافسة بين الكنيسة السريانية وكنيسة المشرق على نيل رضا الحكام الجدد حيث غالبًا ما تمكن أحد الطرفين من إقناع الحكام المسلمين الحصول على امتيازات على حساب الطرف الثاني عن طريق رشوة الحكام. توفي يشوعيهب الثاني سنة 646 وتلاه أما، الذي لم تدم بطركيته سوى ثلاث سنوات، فخلفه يشوعيهب الثالث الحديابي (650-659) والذي الذي يعتبر بالرغم من فترة حكمه القصيرة من أهم بطاركة الكنيسة في الفترة الإسلامية المبكرة. نشب خلاف لاهوتي داخل الكنيسة عندما قام سهدونا مطران ماحوزي بنشر كتابات تؤكد على وحدة الأقانيم وهو الأمر الذي عارضه يشوعيهب فقام بحرمانه. وكما ظهر خلاف داخلي آخر حين قام سمعان الريو أردشيري الذي ظهر كمنافس على زعامة الكينسة غير أن الطرفين توصلا لاتفاق يؤكد على زعامة يشوعيهب وأولوية كرسي قطيسفون. قام يشوعيهب الثالث لاحقًا بتحويل الكرسي مجددًا إلى دير بيث عابي بالقرب من عقرة حاليًا كما أسس مدرسة لاهوتية في مسقط رأسه بأربيل. وألف كتبًا حول سير الشهداء وكتبًا أخرى في الفلسفة واللاهوت وقام مع الراهب حنانيشوع بتأليف كتاب الموسيقى الكنسية السريانية الشرقية المعروف بالهودرا. بالإضافة لذلك رتب التقويم الكنسي وحرر كتاب الطقس الكنسي وطور مدرسة نصيبين فأصبحت تدرس الطب والموسيقى بجانب اللاهوت والفلسفة. حاول يشوعيهب كذلك ثني عرب الخليج وعمان من التحول إلى الإسلام.

بالرغم من علاقته الحسنة مع السلطات الإسلامية، شهدت أواخر أيام يشوعيهب قيام عدي بن الحارث حاكم بهرسير شرقي المدائن بحبسه وتعذيبه في محاولة للحصول على فدية لإطلاق سراحه، وحين لم يحصل على مبتغاه قام بتدمير عدة أديرة في الحيرة. كما شهدت تلك الفترة بناء عدد كبير من الأديرة تم تحديد حوالي 150 منها أغلبها في شمال بلاد النهرين، وازدهرت الحياة الرهبانية وخاصة في جبل إيزلا الذي اشتهر بدير مار إبراهيم الملقب ب-"الدير العظيم". قام أحد رهبان هذا الدير لاحقًا بتأسيس دير بيث عابي الذي أخرج لاحقًا عدة بطاركة لكنيسة المشرق بالإضافة إلى عدة مطارنة ومبشرين في الصين. ومن الأديرة الهامة كذلك دير بيث عابي الذي أخرج عدة بطاركة ومبشرين إلى الصين. وتظهر أهمية هذه الدير من خلال لقبه "أم البطاركة والمطارنة". وأصبح بيث عابي خلال بطركية جيورجيس الأول (661-680) مركز ثقافي لكنيسة المشرق فألفت فيه العديد من الكتب وخاصة تراجم وأقوال النساك الأقباط والسريان. ولعب دير مار ماري جنوب شرق بغداد حاليًا دورًا بارزًا فأصبح موقع يأمه الحجاج كونه يحوي رفات ماري أول المبشرين بالمسيحية بالمنطقة بحسب التقليد.

عقد جيورجيس سينودس في على جزيرة دارين بالبحرين سنة 676، وألف عدة تراجم عن النساك. خلفه حننيشوع الأول (686-698) الذي ألف بدوره عدة كتب ورسائل لاهوتية وفلسفية كما عرف بتعليقاته على أرسطو. نفاه الأمويون سنة 692 وعينوا يوحنن الأجرب محله. غير أن يوحنن نفسه حبس لاحقًا وتوفي في سجنه سنة 693 فظل الكرسي شاغرًا حتى وفاة حننيشوع في منفاه بنينوى سنة 700. وقد استمر تدخل الحكام المسلمين بشكل مضطرد في تعيين البطاركة منذ ذلك الحين، فبعد وفاة صليبا زخا (714-728) أمر الخليفة هشام بن عبد الملك بتعيين فثيون (731-741) بطريركًا.

بدأ الأمويون بمضاعفة الجزية والخراج على المسيحيين ما أدى إلى تحول قسم منهم إلى الإسلام غير أن عهدهم اتسم بذات الوقت بالتسامح والتعايش بشكل عام مع وجود بعض الاستثناءات، لعل أهمها كانت فترة عمر بن عبد العزيز (717-720) الذي هدم الكنائس المبنية بعد الفتوحات الإسلامية وفرض قيودًا في الملبس على المسيحيين. غير أن خلفائه لم يستمروا على منهجه واتسم عهد هشام بن عبد الملك بشكل خاص بالتسامح الديني.

العباسيون

أدى انتصار العباسيين وتحول مركز الخلافة إلى بغداد إلى تقارب بين الخلفاء وبطاركة كنيسة المشرق. فأصبح بطريرك كنيسة المشرق القاطن في بغداد ممثلاً عن جميع المسيحيين ضمن الدولة العباسية على اختلاف مذاهبهم. غير أن فترة العباسيين شهدت كذلك اضطهادات متفرقة عادة ما تزامنت مع فترات الحروب ضد البيزنطيين. كان أشدها في عهد الخلفاء المهدي وهارون الرشيد، ووالمأمون ما أدى إلى حدوث هجرات كبيرة لمسيحيي العراق إلى سواحل البحر الأسود الجنوبية وخاصة مدينة سينوبي حيث استقبلهم الإمبراطور ثيوفيلوس. حول أبا الثاني (741-751) مركز البطريركية إلى كشكر فترة قصيرة قبل أن يتحول إلى كاتدرائية كوخي في قطيسفون. ولم تدم بطركية خلفه سورين (753) سوى عدة أشهر حيث توفي في سجن الخليفة المنصور بعد خلافه مع البطريرك اللاحق يعقوب الثاني (753-773)، والذي قضى كذلك معظم فترته مسجونًا من قبل الخليفة المنصور. قام خلفه حننيوشوع الثاني (773-780) بتنقيح مقررات السينودسات السابقة.

ويعتبر طيموثاوس الأول (780-823) بدون شك أبرز بطاركة كنيسة المشرق، وأهم رجل دين مسيحي في عصره. حيث ترأس في مقره بقطيسفون على 27 مطرانية و230 أبرشية يتبعها عشرات الملايين في منطقة تمتد من شمال أفريقيا حتى البحر الأصفر. واجه طيموثاوس عدة صعوبات في بداية فترته فاضطر لمنح مطارنة كشكر وعيلام صلاحيات إضافية لإرضائهم. وقام لاحقا بتحويل كرسيه من كاتدرائية كوخي بقطيسفون إلى دير الجاثليق على الضفة الغربية لدجلة في بغداد. تمكن بدبلوماسيته من تحييد كنيسته خلال معظم فترات الصراع العباسي البيزنطي في عهده، وتميزت علاقته مع الخلفاء العباسيين بالتقارب، حيث غالبا ما كان ينادمهم.

وعرف عنه كذلك غزارة مؤلفاته ومعرفته الفلسفية واللاهوتية العالية ومعرفته بعدة لغات، ولم يحفظ من أعماله التي تزيد على 200 بحسب المؤرخ عبديشوع بار بريخا سوى 50، لعل أبرزها مناظرته مع الخليفة المهدي. على أن أهم ما ميز فترته كان نشاطه التبشيري في آسيا. فعمل على مركزة سلطة الكنيسة وخاصة في الهند حين رفض بعض مطارنة مسيحيي القديس توما سلطة كرسي قطيسفون فعمد إلى تغيير قوانين انتخاب المطارنة بحيث تتم تترتب موافقة البطريرك والملك قبل قبول نتائجها. عمل طيموثاوس كذلك على تهيئة المرسلين إلى آسيا وذلك بتدريسهم كل من الفلسفة واللاهوت بالإضافة إلى ثقافات ولغات الشعوب الأخرى. كما دعى عدة كنائس أخرى لمشاركة نشاطه ويظهر ذلك في رسالته إلى دير مارون يخبرهم فيها بحاجته إلى مبشرين بين الترك بعد موافقة ملكهم على نشاطهم. حققت سياسته نجاحا كبيرًا ويظهر ذلك من خلال قيامه بتأسيس عدة مطرانيات وأبرشيات في الهند والتيبت والصين واليمن وحول بحر قزوين.

شهدت بداية القرن التاسع ظهور عدد كبير من الكتب الدينية المسيحية بالعربية بدلاً من السريانية، فبالرغم من كتابة طيموثاوس لأعماله بالسريانية غير أنها سرعان ما كانت تترجم للعربية. من أبرز من ألف بالعربية كذلك السكرتير البطريركي أبو الفضل علي بن ربان النصراني، وعمار البصري وإسرائيل الكشكري، على أن أهم لاهوتيي كنيسة المشرق كثيودور بار قوني استمروا بالتأليف بالسريانية التي تطورت مفرداتها الأدبية بشكل ملحوظ.

يعتبر خليفة طيموثاوس يشوع بار نون (823-828) الذي ولد في قرية بنينوى كذلك لاهوتيًا بارزًا، وعرف بانتقاده الشديد لسلفه، وبالرغم من العداء الشخصي بينهما فقد تم اختيار بار نون بموافقة طيموثاوس وهو على سرير موته. وبالمقابل طلب الأخير بدوره أن تحرق أعماله التي هاجم من خلالها طيموثاوس. خلف يشوع بار نون كل من جيورجيس الثاني (828-831) ومن ثم سبريشوع الثاني (831-835) الذي جبا عدة أديرة وقام ببناء مدرسة لاهوتية ببغداد. حول إبراهيم الثاني (837-850) كرسيه إلى سامراء بعد أن اتخذها المعتصم بالله عاصمة له. وخلفه ثيودوسيوس (853-858) الذي قضى معظم فترته محبوسًا بعد أن غضب الخليفة المتوكل على الله على طبيبه بختيشوع بن جبريل وأمر بسجنه. عرف عهد المتوكل بشكل عام باضطهاده للمسيحيين فكان أول خليفة عباسي فرض على المسيحيين لبس الشارة الصفراء، كما منعهم من ركوب الخيل والتبضع بأسواق الجمعة وأمر بهدم قبورهم وعدد كبير من كنائسهم. غير أنه لم يقم بإعدام أي مسيحي كما استمر العديد منهم يشغرون مناصب هامة في الدولة العباسية. أدت هذه السياسة إلى عصيان في حمص قام به اليهود والمسيحيين تم قمعه بعنف وتم جلد عدد من القادة اليهود والمسيحيين حتى الموت.

كان الخليفة أبو جعفر المنصور أول خلفاء بني العباس اهتمامًا بالعلم والعلماء، وقام باجتذاب الأطباء النساطرة إلى مدينة بغداد، وترجمت له كتب في الطب والنجوم والهندسة والآداب، وألفت له ولعصره الكثير من كتب الحديث والتاريخ، وترجم جرجيس بن بختيشوع مؤلفات كثيرة في الطب من اليونانية إلى العربية، كما أن المنصور طلب من إمبراطور بيزنطة أن يرسل له أعمال إقليدس والمجسطي لبطليموس، وترجم كتاب إقليديس للعربية، وكان هذا الكتاب أول كتاب يترجم من اليونانية إلى العربية في عهد الدولة العباسية. ساهم المؤلفون النساطرة في نهضة التأليف تحت مظلة بيت الحكمة، وأبرز هؤلاء النساطرة آل بختيشوع الذين قدموا إلى جنديسابور في عهد هارون الرشيد ووزرائه البرامكة، وتناقلوا العلم من جيل إلى جيل على مدى ثلاثة قرون في عهد العباسيين، وخدموا الطب والمنطق والديانة النصرانية بما عرَّبوا وألفوا. كان المأمون يجل علماء الملل الأخرى من علماء اليهود والنصارى وغيرهم، ويحتفي بهم في مجلسه لا لعلمهم فقط، بل لثقافتهم في لغة العرب ومعرفتهم بلغة اليونان وآدابها، وقد أخرجوا من أديرة سورية وفارس والسند وفلسطين كتبًا خطية في الفلسفة والتاريخ والهندسة لعلماء اليونان وفلاسفتهم، ثم ترجموها إلى العربية بدقة وعناية كبيرة، ولم يكن التسامح سائدًا في زمن المأمون فقط، بل في معظم عهود الخلفاء العباسيين، وكانت الحرية التامة تسود بيت الحكمة، وأشرفوا على خزنة الترجمة فيه النصارى من السريان واليعاقبة وفيهم الصائبة والأقباط والبراهمة والمجوس واليهود وغيرهم.

نشط أتباع كنيسة المشرق في الترجمة من اليونانية إلى السريانية ومن ثم للعربية وخاصة في عهد الدولة العباسية حيث كان معظم المترجمين في بيت الحكمة من اليعاقبة والنساطرة وقد برزوا أيضا بالطب والعلوم والرياضيات والفيزياء فاعتمد عليهم الخلفاء، ومن أبرز العلماء والأطباء في تلك الفترة أسرة بختيشوع الذين خدموا كأطباء للخلفاء العباسيين وكان منهم جبريل بن بختيشوع وبختيشوع بن جبريل ويوحنا بن بختيشوع وأبو سعيد عبيد الله بن بختيشوع، ويوحنا بن ماسويه مدير مشفى دمشق خلال خلافة هارون الرشيد، وحنين بن إسحاق المسؤول عن بيت الحكمة وديوان الترجمة وابنه إسحاق بن حنين، وحبيش بن الأعسم، ويحيى بن البطريق، ومتى بن يونس، وأسطفان بن باسيل، ويحيى بن عدي وغيرهم. وأصبحت بغداد عند إنشأها مركزا لكنيسة المشرق وكان بطاركتها غالبا ما ينادمون الخلفاء العباسيون. غير أن فترة الازدهار هذه بدأت بالانحسار بوهن الدولة العباسية وانتهت بسقوط بغداد سنة 1258 وسيطرة القبائل المنغولية والتركية على المنطقة.

المصدر: wikipedia.org