English  

كتب عند شواطئ أندلوسيا

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

عند شواطئ أندلوسيا (كتاب)


من رواية "عند شواطئ أندلوسيا"

أتفاجأ بغياب كل أغاني الغزل التي وعيت وجيلي عليها عن ذهني تماماً، مقامات، مواويل، أغنيات لا يدرك شجنها سوانا، أدندنها من حينٍ لآخر فيتمايل معها رأس لوسيا بولهٍ عذب، ثم تستحلفني أن أترجمها لها ما استطعت وإن فقدت أغلب معانيها، آه، نعم تذكرت..
"يا طيور الطايرة مرّي بهلي... يا شمسنا الدايرة ضوّي لهلي"
رحتُ أحدق نحو الأعلى فلم أرَ طيراً يطوف في السماء الموحشة، وطبعاً ليس من شمسٍ تتخفى بين السحب لأنها لم تجد مكاناً تبيت فيه، قهقهاتي لا ترضى الانقطاع وأنا أرد على مكالمة أميرتي نور -لوسيا...
تقول معنفة: لمَ تركت نفسك تسكر إلى هذا الحد؟
-وأنتِ لمَ تركتِني مبكراً، الذنب ذنبك؟
-ليتني ما فعلت، وصلت واستحممت، كنت معي بالمناسبة وتشاقيت كثيراً هههه...
تصمتْ ثم تردف في ضيق: هأنا أجلس أمام النافذة وحدي، أطل على الشارع شبه الخالي، وهو سهران في بيت أحد أصدقائه، أو صديقاته، لا يهمني هذا على الإطلاق، المهم لدي الآن هو أنت، لا تعلم كم أشتاق إليك، النغمات داخلي تتمادى، تحتاج المزيد والمزيد من العزف، ليتك تستطيع المجيء وسوف أتدبر أمر المكان.
أكب على توهجها المجنون دلو ماء تثاؤبي: وليتك تعرفين مدى شوقي للوصول إلى الفراش.
متبرمة: سوف تنام عليه بمفردك؟...
-لا طبعاً، مع رائحتك التي تعطره يا حبيبتي...
-وتظن أن روائح صديقيك النتنة قد تركت منها شيئاً لحد الآن؟....
أجيبها بضحكةٍ ضاجة تكاد توقعني أرضاً، تلفِتْ أنظار المارة إليّ وأنا أدلف باب العمارة المتداعية، كل سلمة تطأها قدماي تلقي عليّ تحيتها الرتيبة المعتادة، أعلم أن إحداها يمكن أن تنخلع من مكانها وتكسر لي ضلعاً أو عظماً، أو لعلّها تتسبب في كسر رقبتي ذات يوم، عندها من يمكن أن يفتقدني أو يبكيني حتى آخر العمر، إخوتي الذين ينهكهم التقافز بين ألهبة النار في بغداد ليل نهار؟... أكيد أن أولادهم قد كبروا الآن أكثر مما أتصور، وشيئاً فشيئاً سوف أختزَل من ذاكرتهم إلا إذا علموا إني أصلح ممراً لعبورهم إلى العالم الفسيح، كما ينظر أقارب بودو (العملاق) إليه الآن، أم والدي الذي استعاد شبابه بعد فترة وجيزة من وفاة أمي المفاجئ وتزوج بأرملة في مثل عمري تقريباً، استشهد زوجها بعد الاحتلال مباشرةً ولها من الأطفال ثلاثة...
كنت في ليبيا عند مواراة والدتي الثرى، صممت على الرجوع فوراً إلى بغداد، ولكن منطق الغربة صد طريقي، ظل زملائي هناك يقنعونني بالعدول عن رأيي، محتملين عصبيتي واضطرابي، شتائمي وكفري، لم يرضَ البنك أن آخذ أكثر من أسبوعٍ إجازة لئلا يؤثر انفعالي وتشتت ذهني على مسار عملي الدقيق، شرط ألا أغادر جماهيرية الفاتح وإلا أعتبِر عقدي لاغياً، كما يتوجب علي دفع غرامات لا أعرف من أين جاؤوا بأرقامها وفق قوانين البنك والدولة... آه كم أكرهك أيتها الأرقام بقوانينك الطاغوتية، ويشاركني كرهك الجميع، لعل الغني منا قبل الفقير، لكننا مجبرون على التعامل معكِ كما يتعامل العبد مع سيده، دون أدنى أمل بالانعتاق من سلسلته الحديدية الخانقة...
لا أدري بأي سلّمة تعثرت ليصدر كلانا زمجرة تذمر ولعنة على الغرفة الضيقة والظلمة اللعينة والحياة في الخارج والداخل، ارتمائي على فرشتي، بعد خلعي القميص والحذاء، صيحة احتجاج تظل تتردد لثوانٍ في هفيف الريح المؤرجحة ضلفتي الشباك المفتوح... خيوط العرق تنزّ بغزارة، لا تنفك أن تنقسم في مناطق ثم تلتحم في مناطق أخرى لدى انحدارها نحو الأسفل، تتلاقى عند العنق كخيوط العنكبوت، تنسج عقدة أو ما يشبه بركة لزجة، أمسحها في ضيقٍ، فتخلِّف دبق الدم المتيبس، لونه لون الشفاه العطشى بعد يوم صومٍ طويل في لهيب تموز، وتموز بلادي ليس مثله تموز...