اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان للهجرة عدّة نتائج، منها الحسن ومنها السيء. حقق أكثر المهاجرين ما أرادوا من هجرتهم، فقد أثري الفقير، وتحرر المضطهد، ووجد المغامرون ما يُغذي طموحهم ويقربهم من أهدافهم. وكان من نتيجة ذلك أن تدفقت الأموال على المقيمين من أبنائهم وأقربائهم المغتربين. وكانت أسر عديدة تعيش على ما يرد إليها من بلاد الغربة. وبذلك تحسنت حياة بعض الجماعات، فاستطاعوا أن يُنشئوا بما جناه أبناؤهم من الأموال المشروعات الصناعية والتجارية والزراعية، فخدموا الوطن ونشطوا حياته الاقتصادية. ومن الطبيعي أن الأموال الغزيرة ما كانت لتصل إلى لبنان لو لم يكن هؤلاء المهاجرون قد حققوا لأنفسهم ثروة كبيرة ومكانة مرموقة في البلاد التي هاجروا إليها، وقد تبوأ الكثير من اللبنانيين منزلة عالية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وشغلوا مناصب كبيرة في الإدارة والقضاء والجيش والسياسة.
وكان للمغتربين من رجال الأدب أثر كبير في نهضة الأدب العربي وتطوره. فقد أصبح لهم مدرسة أدبية ذات طابع خاص هو مزيج من إيحاء الشرق وفكر الغرب. وقد برز في هذا المجال في أواخر عهد المتصرفية عدد كبير من الأدباء منهم على سبيل المثال: جبران خليل جبران، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وإيليّا أبو ماضي في الولايات المتحدة، وخليل مطران وأنطوان الجميّل في مصر. على أن هذه المدرسة الأدبية المهجرية قد بلغت ذروة مجدها بعد عهد المتصرفية. وإذا كانت الهجرة قد أتاحت لفريق من أبناء جبل لبنان أن يتبوأ أعلى المناصب ويُصيب حظًا وافرًا من النجاح والثروة، فإن المنطقة كانت تخسر بهجرة هؤلاء نفوسًا طامحة وسواعد قويّة وشبابًا قادرًا على بناء الوطن والنهوض به في الوطن نفسه لا في بلاد الغربة. وقد أصبح عدد المهاجرين من أبناء لبنان اليوم، سواء المهاجرين حديثًا أو المتحدرين من أصول لبنانية، يفوق عدد اللبنانيين أنفسهم.