English  

كتب علمانية شاملة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

العلمانية الشاملة (معلومة)


يذكر المسيري أنه لم يتناول في دراساته الحلولية الروحية (أو وحدة الوجود الروحية) بالتفصيل، ولا تلك السمات التي تميزها عن الحلولية المادية، فالأخيرة هي التي تهمه بحسبانها تعني سيادة القانون الطبيعي/ المادي على كل من الإنسان والطبيعة. وفي هذا السياق يذكر المسيري تمييزاً له بين الحلولية الصلبة والحلولية السائلة، فالحلولية الصلبة هي الحلولية المادية في مراحلها الأولى حين يتم تصفية الإنسان باسم الطبيعة (أي مساواته بالطبيعة وإلغاء حقيقة تركيبه المعقد)، ويكون مركز العالم هو الطبيعة/المادة. (وهذه هي مرحلة الحداثة).

ولكن تصبح أشياء عديدة موضع الحلول وليس الطبيعة/المادة فحسب، فتتعدد المراكز، ويغيب بعدها اليقين، لتسيطر النسبية تماماً إذ لا توجد مرجعية منفصلة. فكل شيء سيصبح نسبي ومفكك لا مركز له، ويتحول العالم إلى كيان شامل واحد تتساوى فيه الأطراف بالمركز والقمة بالقاع والذكر بالأنثى ووو…، ويأخذ شكلاً مسطحاً تقف فيه جميع الكائنات الإنسانية والطبيعية على نفس السطح وتلغى فيه كل الثنائيات، فالخالق كالمخلوق، والطبيعة كالخالق، والطبيعة كالإنسان، وهكذا. وبهذا التسطيح ينفصل (الدال) عن (المدلول) فتصبح كلمة مثل “إنسان” إما بدون دلالة (معنى)، أو متعددة الدلالات، وهذا هو التفكيك الكامل.

وهذا هو أيضاً الانتقال من عالم التحديث والحداثة و(الامبريالية) والحلولية المادية الصلبة إلى عصر ما بعد الحداثة والحلولية المادية السائلة.

وهذا هو ذاته ما يسميه المسيري ب (العلمانية الشاملة) التي تتميز عن العلمانية الجزئية بأن العلمانية الجزئية تترك مجالاً للقانون الإنساني (الأخلاقي والديني) ومن ثم تسمح بقدر من الثنائية والانفصال بينهما. (العلمانية الجزئية هي التي تعني فصل الدين عن الدولة). ولكنها تلزم الصمت حيال المفاهيم المطلقة والحياة الخاصة والمرجعية النهائية للقرارات السياسية والاقتصادية، وتترك حيزاً واسعاً للقيم الأخلاقية والدينية ما دامت لا تتدخل في عالم السياسية بالمعنى الفني.

وقد تم التوصل لهذا التعريف للعلمانية الجزئية في القرن التاسع عشر بحسبان الدولة كياناً ضعيفاً هزيلاً لا تتبعه أجهزة أمنية وتربوية قوية، ولم يكن هناك إعلام قوي يصل لكل مواطن في منزله. يعني أن الحياة الخاصة ظلت بمنأى عن العلمنة وظلت تحكمها القيم الأخلاقية والدينية. ومن هنا فالمسيري لا يرى غضاضة في تقبل العلمانية الجزئية بمعنى (فصل الدين عن السياسة والاقتصاد). إذ لا يمكن تقبل مشايخ أو قساوسة أو أساتذة أدب يناقشون طرق تحسين التصدير ونوع السلاح الذي يستخدم، فهذه الأمور يجب أن تترك للفنيين. لكن المرجعية النهائية (الاستراتيجية والمعرفية والأخلاقية) للدولة هي أمور لا يمكن أن تترك للفنيين. ومن هنا يمكن الحديث عن العلمانية الشاملة ومنشأها.

فقد حدثت تطورات ضخمة غيرت الصورة تماماً، إذ تغوّلت (تمددت) الدولة وحولت نفسها ومصلحتها إلى مرجعية نهائية تلغي كل المرجعيات الأخرى، وهي دولة قوية ذراعها طويلة تصل لكل المواطنين من خلال المؤسسات الإعلامية والتربوية. ولم تعد الحياة الخاصة بمنأى عن هذا (كما كان في السابق) فاتسعت رقعة الحياة العامة على حساب الحياة الخاصة. علاوة على هذا، فقد حصلت تحولات “بنيوية” كبرى، كالتصنيع والهجرة إلى المدينة، في ظاهرها لا علاقة لها بالعلمنة، لكنها قامت في الواقع بتغيير رؤية الإنسان وإشاعة النسبية والحيادية والانفصال عن القيمة، لكل هذا لم يعد للتعريف القديم الجزئي للعلمانية أي علاقة بالواقع الجديد.

لكل هذا قام المسيري بصياغة مصطلح العلمانية الشاملة لوصف المجتمع العلماني بعد التطورات التي حصلت، فهي ايديولوجية كاسحة لا يوجد فيها مجال للإنسان أو للقيم، ومن هنا فهي لا يمكنها التصالح مع الدين أو القيم الثابتة أو الإنسان وتحاول أن تختزل حياة الإنسان في البعد المادي فحسب. ولذلك يمكننا أن نعرّف العلمانية الشاملة -على منهج المسيري- بأنها فصل القيم والغايات الدينية والأخلاقية والإنسانية عن الدولة وعن مرجعيتها النهائية وتطبيق القانون المادي/الطبيعي على كل مناحي الحياة، وتصفية أي ثنائية بحيث يتم تسوية كل الظواهر الإنسانية بالظواهر الطبيعية فتنزع القداسة تماماً عن العالم، ويتحول إلى مادة استعمالية يمكن إدراكها بالحواس الخمس، كما يمكن لمن عنده القوة الكافية لهزيمة الآخرين أن يوظفها لصالحه. ونتيجة لهذا يظهر العلم والتكنولوجيا المنفصلان عن القيمة والغاية.

والعلمانية الشاملة عملية متتابعة (أو متوالية) لها مراحل، تبدأ بعالم الاقتصاد الذي يصبح موضع الحلول (يعني يصبح مرجعية ذاته، مكتفياً بذاته، ليس لديه مرجعية خارجية) يستمد معياريته من نفسه، فتختفي المرجعية الإنسانية العامة، ويستمد كل مجال معياريته من شيئيته، ويتم الحكم عليه من منظور كفاءته في تحقيق أغراضه فتصبح المعايير في المجال الاقتصادي اقتصادية، ثم يستمد كل نشاط شرعيته من مدى نجاحه في تحقيق أهدافه، فتصبح المعايير في المجال السياسي سياسية، وفي المجال العلمي علمية، وفي المجال الجمالي جمالية وهكذا.. ثم تتصاعد هذه العملية إلى أن يصبح العالم بأسره مجالات غير متجانسة، غير مترابطة، متناثرة لايربطها رابط، إذ يصبح لكل مجال مرجعيته النهائية المختلفة عن المجال الآخر ويتزايد تحدُّد النشاطات والوظائف وعدم تشابكها مع النشاطات الأخرى، وهذا يعني ترشيدها وتبسيطها فتصبح عناصر غير شخصية يسهل معالجتها والتعامل معها وإخضاعها لقواعد ذات طابع مادي كمي. وتتغلغل بعدها عمليات العلمنة الشاملة وتنتقل من الحياة العامة إلى الحياة الخاصة، فيتحول الباطن إلى ظاهر، والأسرار إلى ظواهر علمية قابلة للدراسة الموضوعية، وتسود العلاقات التعاقدية الدقيقة محل الصراعات الإنسانية المباشرة. وتسود أخلاقيات السوق والقيم الداروينية في كل مجالات الحياة.

ثم يعرف الإنسان ذاته في ضوء احتياجاته المادية فقط، أي أنه هو ذاته، شأنه شأن النشاطات الطبيعية والاجتماعية، ينفصل عما هو إنساني واجتماعي وتصبح مرجعيته النهائية مادية. فيتختفي الإنسان الرباني ويظهر الإنسان الطبيعي (المادي)، الذي يتحرك داخل الحيز الطبيعي/المادي لا يبرحه، ويحكم على نفسه وعلى العالم بمعايير مستقاة من عالم الطبيعة/المادة، أي أن المنظومة العلمانية تبدأ بسحب الأشياء من عالم الإنسان وتضعها في عالم مستقل تسميه (عالم الأشياء) ثم بعد ذلك تسحب الإنسان نفسه من عالم الإنسان وتضعه في عالم الأشياء هذا.

ويمكننا توضيح هذا التعريف بمثال ذكره المسيري، ففي عالم الرياضة على سبيل المثال نرى بوضوح كيف أن ممارسة الرياضة في الماضي كان المفروض فيها تهذيب الجسد وتدريب الناس على التعاون وعلى الصراع الرقيق لتفريغ نزعاتهم العدوانية من خلال قنوات متحضرة، لكن تدريجياً تنفصل الرياضة عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية بذاتها، وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد، ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماماً للرياضة، واحترافهم وبيعهم وشراؤهم وتحولهم إلى نجوم تستخدم في الإعلانات فاقتصاديات السوق تقتحم هذا القطاع تماماً، ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات لتحقيق النصر، فأين هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟

العلمانية الشاملة كما أسلفنا تحول العالم إلى مادة استعمالية وهي -كما يقول المسيري- تمثل بهذا المعنى الوجه الآخر للامبريالية التي حولت العالم (آسيا وإفريقيا والأمريكتين) إلى مادة استعمالية يوظفها الإنسان الغربي (الأقوى) لصالحه. ويمكن القول بأن العلمانية الشاملة قامت بتنظيم الداخل الأوروبي بشكل صارم، فرشدت الإنسان الغربي وجيشت الجيوش وقامت بغزو العالم غزوة امبريالية شاملة. فالتحديث المنفصل عن القيمة والغاية في الداخل الأوروبي والإمبريالية المنفصلة عن القيمة والغاية في بقية العالم هما وجهان لعملة واحدة.

النقطة الأخيرة في هذا العرض هي أن العلمانية بدأت جزئية في منتصف القرن التاسع عشر ولكن نطاقها يتسع ويستولي على مجالات مختلفة ولكن ظلت الحياة الخاصة بمنأى عن عمليات العلمنة مما نجم عنه أن الإنسان الغربي كان يدير حياته العامة بنموذج العلمانية الشاملة (الأخلاقيات الداروينية وأخلاقيات السوق والمنفعة المادية). ولكنه كان يدير حياته الخاصة بنموذج أخلاقي يعترف بالتراحم وقيم الأسرة والقيم الاخلاقية المسيحية أو الإنسانية، ولعل هذه الازدواجية هي سر نجاح واستمرار المجتمعات الغربية الحديثة واسمي هذه المرحلة بالمرحلة الصلبة، ولكن المسيري يرى ابتداءً من 1965م بدأت تضيق رقعة الحياة الخاصة وبدأ الإعلان يتوجه للفرد مباشرة متجاوزاً كل المؤسسات الوسيطة كالأسرة التي قد تحميه وتنمي فيه مشاعر وأخلاقيات إنسانية لا تتفق مع أخلاقيات السوق، إلى أن انحسرت هيمنة المؤسسات الوسيطة تماماً ويسمي المسيري هذه المرحلة بالمرحلة السائلة.

المصدر: wikipedia.org