اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد أن تخلَّص السُلطان قلاوون من الأخطار الداخليَّة التي واجهته، بدأ ينصرف نحو المغول والصليبيين الذين ما فتئوا يُهددون الشَّام بين فينةٍ وأُخرى. وكان آباقا خان قد أرسل في سنة 679هـ المُوافقة لِسنة 1280م قُوَّةً احتلَّت بعض القلاع في شمال الشَّام، ثُمَّ رحلت إلى حلب فدخلتها وأحرقت جوامعها ومدارسها وقتلت الكثير من أهلها، قبل أن تُسرع بِالعودة إلى قواعدها بِالعراق ما أن وصلها أنَّ قلاوون خرج إلى غزَّة في طريقه إليهم لِمُنازلتهم. استغلَّ الصليبيُّون فُرصة إغارة المغول على شمال الشَّام وحاولوا استرداد حصن الأكراد من المُسلمين، لكنَّ مُحاولتهم باءت بِالفشل، غير أنَّ تلك المُحاولة نبَّهت قلاوون إلى الخطر الذي يُحيق به نتيجة تحالف أعدائه المغول والصليبيين، لِذلك أخذ يتَّبع سياسةً جديدةً تستهدف التفرقة بين خُصُومه وعدم تمكينهم من الاتحاد ضدَّ المُسلمين لِيتمكن من مُنازلة كُلٌ منهم على حدة. فعقد صُلحًا مع القوى الصليبيَّة الرئيسيَّة في الشَّام لِمُدَّة عشر سنوات، ثُمَّ حوَّل أنظاره ناحية المغول لِضربهم ضربةً موجعة. وكان أن خرج آباقا بنفسه إلى الشَّام على رأس جيشٍ كبيرٍ من المغول في سنة 680هـ المُوافقة لِسنة 1281م، وسار معه ليون الثالث ملك أرمينية الصُغرى. وفي موقعة حِمص التي دارت بين المُسلمين والمغول يوم 14 رجب 680هـ المُوافق فيه 29 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1281م، حلَّت الهزيمة ساحقةً بِالمغول وولُّوا الأدبار إلى العراق بعد أن هلك منهم خلقٌ كثير. وما دام السُلطان قلاوون قد أحرز هذا النصر على المغول، فإنهُ رأى أن ينتهز الفُرصة لِيُنزل ضربته الثانية بِالصليبيين على الرُغم من أنَّهُ كان قد عقد معهم صُلحًا لِمُدَّة عشر سنوات كما أُسلف، ولم تنقضِ منها سوى أربع سنواتٍ فقط. ففي سنة 684هـ المُوافقة لِسنة 1285م، هاجم قلاوون الإسبتاريَّة في حصن المرقب - وهو من أخطر الحُصُون الصليبيَّة بِالشَّام - واستولى عليه فعلًا، ممَّا سبب خسارة كُبرى لِلصليبيين. وفي الوقت الذي كان المُسلمين يتأهبون لِلإجهاز نهائيًّا على الصليبيين بِالشَّام، لم ينتبه الصليبيُّون إلى حقيقة الخطر الذي يتهددهم، واستمرُّوا غارقين في مُنازعاتهم الداخليَّة، وهي المُنازعات التي ميَّزت تاريخ الصليبيين بِالشَّام في النصف الأخير من القرن الثالث عشر الميلادي، وقد انتهز السُلطان قلاوون فُرصة انشغال الصليبيين بِتلك المُنازعات وأرسل حملةً استرجعت اللاذقيَّة سنة 686هـ المُوافقة لِسنة 1288م، وهي آخر بلد كان قد تبقَّى لِلصليبيين من إمارة أنطاكية. وشاء سوء حظ الصليبيين في تلك الظُروف أن يموت بوهيموند السَّابع أمير طرابُلس دون وريث، فقام في إمارته نزاعٌ داخليّ حول وراثة الحُكم، واستنجد فريقٌ من المُتنازعين بِالسُلطان قلاوون.
وهُنا أسرع قلاوون إلى افتراس الفُرصة، فتجهَّز لِأخذ طرابُلس، وخرج من مصر على رأس جيشه دون أن يُعلن هدفه، وذلك في شهر مُحرَّم سنة 688هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) سنة 1289م. وكان جيش