اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في 15 أيار/ مايو 1948 أعلن عن قيام دولة إسرائيل، وتعبيراً عن رفضها قيامَ الدولة اليهودية دخلت جيوش بعض الدول العربية إلى فلسطين وبرز اسم سامي الحنّاوي كواحدٍ من العسكريين السوريين الذين أبلوا بلاءً حسناً في المعارك التي أوقفتها هدنةٌ أولى في 11 حزيران/يونيو ثم هدنة ثانية 19 تموز/ يوليو مالت معها كفّة الميزان العسكري لصالح إسرائيل التي بسطت سيطرتها في نهاية المطاف على قسم هام من فلسطين. كانت خيبة الأمل العربية عميقة وشاملة وبدأ الحديث يتصاعد عن تخاذل وفساد الجيوش العربية. في دمشق استقال وزير الدفاع أحمد الشرباتي وأُحيل رئيس الأركان عبد الله عطفة إلى التقاعد، وبتقاعدهِ أصبح منصبه العسكري شاغراً فتمّ تعيين مدير الأمن العام آنذاك حسني الزعيم بمنصبه بدلاً عنه.
يمكن اعتبار عام 1949 عام الانقلابات العسكرية السورية بدون منازع، فخلال تسعة أشهر فقط شهدت سوريا ثلاثة انقلابات عسكرية عبّرت بوضوح عن حال الإستعصاء الداخلي الذي وصلت إليه الجمهورية المضطربة بعدما غدت ساحةَ صراعاتٍ لقوى إقليمية ودولية متعددة. في 30 آذار/ مارس حصل الانقلاب الأول وأنهى حسني الزعيم مرحلة الحكم الدستوري بإقصاء الرئيس شكري القوتلي، وبعد ذلك بأشهر قليلة في 14 آب/ أغسطس حصل الانقلاب الثاني حيث أنهى سامي الحنّاوي ومعه أسعد طلس حُكم حسني الزعيم، وبعد أشهر قليلة أخرى في 19 كانون الأول/ ديسمبر قام أديب الشيشكلي بالانقلاب الثالث على سامي الحنّاوي وأسعد طلس.
في بدايات فترة الانقلاب الأول لم تكن علاقة قائد الانقلاب حسني الزعيم بأسعد طلس سيئة، فبعد وصولهِ إلى السلطة اختارهُ مستشاراً شخصياً له. قَبِل أسعد طلس المنصب في البداية لكنّ توجّهات الزعيم السياسية التي تبلورت لاحقاً أثارت قلقه، خصوصاً فيما يخصّ الموقف من دولة إسرائيل وما كان يتسرّب من إشاعاتٍ عن مفاوضاتِ سرية للزعيم معها، وصِلاته الملتبسة بالأميركيين، ودورهُ في تمرير صفقة أنابيب شركة التابلاين النفطية عبر الأراضي السورية، ورفضهُ الصريح لأي تقاربٍ وحدويّ مع العراق. باعدت هذهِ المواقف بين الرجُلين تدريجياً حتى بلغت نقطة اللاعودة، ووصل أسعد طلس إلى قناعة بضرورة وقف توجّهات حسني الزعيم الخطرة وقرر الانقلاب عليه.
في 21 نيسان/ أبريل 1949 توجّه الزعيم إلى القاهرة ليؤكد للمصريين ابتعادهِ الكامل عن أي تنسيق مع المملكة العراقية ورغبتهِ الأكيدة في الانضمام إلى المحور المصري-السعودي، ونتيجةً لذلك اعترفت مصر ومعها السعودية بشرعية انقلابه، وتمّ الإتفاق بين الأطراف الثلاثة على إطلاق سراح الرئيس المعتقل شكري القوتلي في صفقة سياسية تُرضي الجميع، وعلى الفور بدأ حسني الزعيم هجومه على الهاشميين في العراق والأردن.
توجّس حسني الزعيم من مستشاره أسعد طلس الذي بات يخالفه في الكثير من التوجهات فقرّر إبعادهُ عن دائرة القرار السياسي وأصدر في 11 تموز/ يوليو 1949 المرسوم رقم 52 القاضي بإبعادهِ عن وزارة الخارجية وإعادتهِ إلى موقعهِ القديم في وزارة المعارف، وبالفعل تمّ نقل أسعد طلس إلى مِلاك وزارة المعارف في 31 تموز/ يوليو تنفيذاً لأوامر الزعيم الشخصية.
كان أسعد طلس العقل المدبر للانقلاب السوري الثاني الذي أنهى فترة حكم حسني الزعيم، والذي قام به اللواء سامي الحنّاوي عديلُ أسعد طلس وصديقهُ، فقد تمكّن من إقناع اللواء الحناوي بقيادة مجموعةٍ من الضباط المستائين من سياسات الزعيم للتحرك عسكرياً والقضاء على حكمه، وبنجاح الانقلاب عاد أسعد طلس إلى وزارة الخارجية أميناً عاماً لها في 14 آب/ أغسطس 1949 ليلعب دوراً بارزاً في صياغة السياسة الخارجية السورية خلال الأشهر القليلة التي تولّى فيها الحنّاوي ورجاله زمام الأمور. غضبَت مصر والسعودية من نجاح انقلاب الحناوي وإقصاء حليفهما حسني الزعيم من منصبه فقررتا التحرك ضد الحكم الجديد، أما الهاشميون فقد أيّدوا الانقلاب.
بعد نجاح انقلاب سامي الحناوي وصل إلى دمشق وفد سياسيّ عراقي التقى بأسعد طلس في وزارة الخارجية السورية. أكّد أسعد طلس لأعضاء الوفد أن سوريا تؤمن بالاتحاد العربي وصولاً إلى الوحدة الشاملة لكنها لا تستطيع أن تستسلم للملكية التي تحكم العراق وأنها قد تقبل الآن بالإتحاد مع العراق شريطة أن يتخلص من نظامهِ الملكي. ردّ العراقيون مقترحين إعلان قيام الاتحاد برئاسة ملك العراق (على أن يخلق الله ما يشاء في المستقبل) وعندما قال أسعد طلس أن سوريا تخشى عاقبة مثل هذا التصرف أجابه أعضاء الوفد العراقي بضرورة الإطمئنان إلى المستقبل لأن (دم الثورة يغلي في جسم الشعب العراقي) و(لن يكون يوم الثورة ببعيد).
أُجريت انتخابات حرة في عهد الحناوي الذي لم يكُن يريد البقاء في سدّة الحكم ووضع دستورٍ مؤقت للبلاد، لكن مسيرة العودة إلى النظام الدستوري تعرضت لانتكاسة مبكرة فجر يوم 19 كانون الأول/ ديسمبر 1949 عندما وقع الانقلاب الثالث وقضى أديب الشيشكلي بدورهِ على حكم سامي الحناوي وشريكهِ أسعد طلس.
تمكّن الانقلابيون من إلقاء القبض على اللواء الحناوي في منزلهِ واقتادوه إلى السجن لكنهم فشلوا في إلقاء القبض على أسعد طلس الذي غادر منزله قبل ساعات من وقوع الانقلاب والتجأ سراً إلى مبنى السفارة العراقية في دمشق.
صباح يوم 19 كانون الأول/ديسمبر 1949 قام الانقلابيون بتسريح أسعد طلس المتواري عن الأنظار من الخدمة المدنية، وعلى الرغم من سعيهم الحثيث لإلقاء القبض عليهِ فقد تمكّن من مغادرة سوريا سرّاً إلى لبنان ليقود من هناك مساعٍ حثيثة للضغط على السلطات الانقلابية لإطلاق سراح شريكه سامي الحناوي المحتجَز في سجن المزّة بدمشق، وعندما بدأ الشيشكلي يضغط بشدّة على رئيس الوزراء اللبناني آنذاك رياض الصلح لتسليمهِ، رفض رياض الصلح التسليم ونصح أسعد طلس بمغادرة لبنان في أسرع وقت لعدم قدرتهِ على توفير الحماية لهُ خاصةً بعدما تواردت أنباء تفيد بأنّ أديب الشيشكلي أوفد بعض رجالهِ إلى لبنان لتعقّب أسعد طلس بهدف اختطافه أو اغتياله.