اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يعرض ابن فضلان في صفحات مطولة مشاهد الدفن، التي تبدو أنها أثارت لديه انفعالات متضاربة، ففي هذه المشاهد من الغرابة والألم والسمو واللامعقول والدلالات الغريبة، التي تبدو برمتها غير مألوفة لديه، لدرجة الصدمة. لقد سمع أن الروس يفعلون بملوكهم عند الموت أموراً غريبة بما فيها الحرق، فأراد أن يكون شاهداً مباشراً على وقائع دفن أحد الموتى من رجالهم الأجلاء، كما حرص أن يدوّن لنا المشاهد بكل تفاصيلها، فامتزج في وصفه الإحساس العميق بأن مشهداًأليماً يحدث أمامه مباشرة بمشاعر الاستغراب والتعاطف والأسى. فمن عاداتهم أن يضعوا الرجل الفقير الميت في سفينة صغيرة ويحرقونها، أما الرجل الغني فيقسمون ثروته، فثلثها لأهله وثلثها يخيطون له بها ثياباً وثلث للنبيذ الذي يشربونه يوم تقتل جاريته نفسها وتموت مع مولاها. فأراد ابن فضلان أن يقف على إحدى تلك الحالات، فلما مات رجل جليل وضعوه في قبره حتى يخيطون له ثيابه، وسألوا جواريه: من يموت معه؟ فتقدمت إحداهن، فوكلوا لها جاريتين لتهيئانها لهذا الحدث الجليل؛ ويقضون هذه الفترة بشرب النبيذ ليلاً ونهاراً، وربما مات الواحد منهم والقدح بين يديه. فلما كان اليوم الذي يُحرق فيه الميت والجارية حضر ابن فضلان إلى النهر حيث السفينة التي يتم فيها الحرق، فجاءوا بسرير فوضعوه على السفينة وغشّوه بالمضرَّجات (=المساند) والديباج الرومي ومساند الديباج الرومي، وتولَّت امرأة عجوز تُسمى ملك الموت أمر فرش السرير، وأحضروا الميت من القبر إلى السفينة، وألبسوه ثيابه الجديدة، وأدخلوه القبة التي في السفينة، وأجلسوه على المساند وبجانبه النبيذ والفواكه والريحان، وخبز ولحم وبصل طرحوه بين يديه، وبسلاحه، وبدابتين وبقرتين وديكاً ودجاجة قطعوها وألقوا بلحمها على السفينة. والجارية التي نذرت نفسها للموت معه تذهب وتجيء وتنتقل من قبة إلى قبة، حيث يضاجعها الرجال ويقولون لها: “قولي لمولاك إنما فعلت هذا من محبتك” فلا يتوقف ابن فضلان عن تعقب التفاصيل، فيأتون بالجارية ويحملونها على أكفهم حتى تشرف على باب السفينة ثلاث مرات، فتقول في المرة الأولى: هو ذا أبي وأمي، وفي الثانية: أرى جميع قرابتي الموتى قعوداً، وفي الثالثة: هو ذا أرى سيدي قاعداً في الجنة، ثم يأتي دور المرأة العجوز، التي تلعب، حسب وصف ابن فضلان، دور العراف والشامان المقدس، والتي تسمى ملك الموت والمكلفة بقتل الجارية، فتدفعها إلى السفينة، وتدفع إليها قدحاً من النبيذ، فتغني وتشربه، بعدها تدخِلها إلى القبة التي فيها سيدها، وهناك يدخل ستة رجال، فيجامعوا الجارية ويضجعونها إلى جانب مولاها. وتجعل العجوز في عنق الجارية حبلاً تدفعه إلى اثنين من الرجال ليجذباه، ثم تقبل ومعها خنجر فتدخله في أضلاعها حتى تموت، والرجال في الخارج يضربون على التراس ليحدثوا ضجيجاً يمنع سماع صوتها لكى لا تخاف الجوارى الاخرى الموت مع سادتهم، ثم ينتهي المشهد بإشعال السفينة من قبل أقرب الناس إلى الميت، ثم يبادر الجميع بإلقاء الخشب المَحرَق، فتأخذ النار في الحطب ثم السفينة ثم القبة والرجل والجارية وجميع ما فيها. ثم بنوا على موضع السفينة، ونصبوا في وسط البناء خشبة كبيرة، كتبوا عليها اسم الرجل واسم ملك الروس وانصرفوا. هذه رواية شاهد عيان حية، يلاحظ المؤرخ وجود عادة الدفن والحرق المتبعة لدى الروس القدماء وعند الصقالبة والأتراك أيضاً، وربما جاءت عادة السفينة من العالم الاسكندنافي، وتذكِّر الموكبات الموسيقية بعادات سويدية أو صقلبية؛ أما موت المرأة الإجباري فشائع عند أمم عديدة مثل الأسقونيين والأتراك والمغول والبلغار والجرمانية والصقالبة؛ ويُعرف دفن الميت جالساً في آسيا الوسطى؛ أما دفن أغراضه معه فشائع عند الصقالبة والبلغار والأتراك، وقد يشابه ملكة الموت عندهم آلهة الموت الجرمانية هيل. لقد امتزج في وصف ابن فضلان لهذا الحدث الجليل، الإحساس بمرارة ومأساوية الحدث الذي تبدى أمامه بالتعاطف، وأيضاً بالدهشة والغرابة، فنحن هنا أمام ارتطام مرجعيتين ثقافيتين لا تلتقيان إلا بتلك الرغبة بالخلود، والارتفاع عن اليومي إلى ذروة التعالي، وإن كان هنا يجري -حسب ابن فضلان الفقيه المسلم- بطريقة خاطئة، ولقد كان حاضراً في وجدانه أثناء وصفه للمشهد، هذا الافتراق في القيم والمرجعيات التي تؤسسها، فلا ينسى أمام وقوفه عند تفاصيل الموت أن يتذكّر ما جرى من حوار بينه وبين أحد الروس، عن طريق المترجم، وهم ينظرون إلى السفينة وهي تحترق، إذ قال له الروسي: “أنتم يا معشر العرب حمقى”، فقال ابن فضلان: لم ذلك؟ قال الروسي: “إنكم تعمدون إلى أحب الناس إليكم وأكرمهم عليكم فتطرحونه في التراب، وتأكله التراب والهوام والدود، ونحن نحرقه بالنار في لحظة فيدخل الجنة من وقته وساعته” ، وضحك ذاك الروسي ضحكاً مفرطاً، فسأله ابن فضلان عن السبب، فقال: “من محبة ربه له يقصد الميت قد بعث الريح حتى تأخذه في ساعته”. ولكن هذا الحوار بالتأكيد لم يقرِّب أسس الفهم بينهما، لذا كان الروسي مبتهجاً لحدوث التعالي أمامه، بينما كان ابن فضلان كدراً مهتزاً في أعماقه لمشهد بدا له مروعاً وأليماً! الأول رأى في الحدث جسراً للعبور إلى الأبدي، والثاني رأى فيه حدثاً تمتزج فيه القوة واللامعقول بالألم