اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ماذا يحدث عندما يدخل المريض إلى المستشفى وهو يحمل توقعات لا يستطيع الطب تحقيقها؟ وماذا يحدث عندما يحاول الطبيب ممارسة مهنته في منظومة تعاني من نقص الموارد، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والاضطرابات الأمنية، وتراكم الممارسات القديمة؟ وأين تنتهي مسؤولية المريض، وأين تبدأ مسؤولية الطبيب والمؤسسة والمجتمع؟
“طبيب أعرج” ليس كتابًا للدفاع عن الطبيب، ولا محاكمةً له، وليس محاولةً لإلقاء اللوم على المريض أو المؤسسة الصحية. إنه محاولة للنظر إلى الواقع الصحي في الضفة الغربية كما هو؛ بكل تعقيداته وتناقضاته ومشكلاته، من خلال منظور واقعي وعلمي واستقصائي.
يناقش الكتاب مجموعة واسعة من القضايا التي تؤثر في العمل الصحي والطبي، بدءًا من الأمية الصحية وضعف الثقافة الطبية لدى بعض أفراد المجتمع، والتوقعات غير الواقعية من الطب، وسوء فهم طبيعة الأمراض ونتائج العلاج وحدود العلوم الطبية، وصولًا إلى الضغوط التي يواجهها الطبيب داخل مكان العمل وخارجه، والتوقعات الاجتماعية المرتفعة منه، وتراجع الجدوى الاقتصادية للمهنة.
كما يتناول الكتاب الجانب الآخر من الصورة، فيناقش الممارسات الطبية غير السليمة وغير العلمية وغير الأخلاقية، والإفراط في الفحوصات والعلاجات والإجراءات، والتسويق الطبي، وتضارب المصالح، والممارسات التجارية، وتجاوز حدود الاختصاص، والأخطاء الطبية، إضافة إلى الممارسات الصحية غير القانونية، وانتشار الدجل والطب الشعبي والعلاجات غير المثبتة علميًا.
ولا يتوقف الكتاب عند العلاقة بين الطبيب والمريض، بل يوسع دائرة البحث لتشمل المستشفيات والعيادات الخاصة، والتمويل الصحي، وتوفر الأدوية والأجهزة، والواسطة والمحسوبية، والتفاوت في الوصول إلى الخدمات، وهجرة الكفاءات، والإدارة الصحية، والثقافة المهنية.
ويتناول كذلك واحدة من أكثر القضايا حساسية: ماذا يحدث للطب عندما يعيش المجتمع في ظل الحروب والصراعات وعدم الاستقرار الأمني؟ وكيف يمكن لنظام صحي محدود الموارد أن يستمر في تقديم الرعاية عندما تتزايد الاحتياجات وتتراجع القدرة على الاستجابة؟
عنوان الكتاب، “طبيب أعرج”، يحمل دلالة رمزية؛ فالعرج هنا ليس عرج الطبيب كشخص، وإنما صورة لطبيب يحاول أن يؤدي مهمته داخل منظومة لا تسير بصورة طبيعية، تحيط بها العوائق من كل جانب. ومع ذلك، لا يفترض الكتاب أن الطبيب هو الضحية دائمًا، ولا أن المريض هو المخطئ دائمًا؛ بل يحاول أن يسأل سؤالًا أكثر صعوبة:
كيف وصل النظام الصحي إلى ما هو عليه؟ ومن أين يبدأ الخلل؟
يعتمد الكتاب في بناء صورته على الوقائع والدراسات والبيانات والشهادات والأحداث والممارسات الواقعية، مع محاولة الفصل بين الحقيقة الموثقة والرأي والانطباع، وبين المشكلات الفردية والمشكلات البنيوية.
إنه كتاب عن الطب والمريض والطبيب والمجتمع والمؤسسة الصحية، لكنه في جوهره كتاب عن منظومة كاملة تحاول الاستمرار والعمل رغم كل ما يعيقها.
فـ”طبيب أعرج” لا يريد أن يخبر القارئ من هو المذنب، بقدر ما يريد أن يجعله يرى الصورة كاملة