اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان بعض القادة والحُكَّام الأرمن المُقرَّبون من الدوائر الحاكمة في بيزنطة، يميلون لِلبقاء تحت راية الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، رُغم الخِلاف المذهبي بين الطرفين، وفي مُقدمة هؤلاء القائد تُيُودور الرشتوني سالف الذِكر، الذي كان الإمبراطور البيزنطي هرقل قد عيَّنه قربلاطًا على أرمينية البيزنطيَّة، وكان هذا القائد قد تمكَّن مع آخرٍ روميّ يُدعى «پروكوپيوس» من صدِّ إحدى حملات المُسلمين سنة 640م في معركةٍ تُطلق عليها بعض المصادر «معركة ساراكين»، حيثُ وقع خلافٌ بينهما حول كيفيَّة التصدي لِلمُسلمين، كما تمكَّن من دفعهم بعيدًا عن دُبيل كما أُسلف، ويظهر أنَّ الإمبراطور قُسطنطين الثاني اعترف بتُيُودور المذكور حاكمًا على أرمينية سنة 643م تقديرًا لما فعله، وفي سبيل تمكينه لِمُحاربة المُسلمين على الجبهة البيزنطيَّة الشرقيَّة. ويبدو أنَّ الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة استمرَّت تنظر إلى تُيُودور الرشتوني بعين الريبة بفعل مُيُوله المذهبيَّة المُخالفة لِلمذهب الملكاني الرسمي، وبسبب موقفه السابق من القائد الإمبراطوري پروكوپيوس، فلمَّا تقدَّم المُسلمون وفتحوا كامل بلاد الجبال الأرمنيَّة، وأثبتوا تفوقهم العسكري، وكانوا يضغطون على بقايا الروم في الشَّام وشمال أفريقيا، تخلَّت بيزنطة عن أرمينية وتُيُودور الرشتوني، فلم يعد الأرمن قادرين على مُقاومة المُسلمين بِمُفردهم، وخاب أملهم في بيزنطة التي عجزت عن الدفاع عنهم وحمايتهم، فاضطرَّ تُيُودور الرشتوني إلى إجراء مفاوضاتٍ مُنفردةٍ مع المُسلمين انتهت إلى التسوية التالية: يعترف المُسلمون باستقلال الأقاليم الأرمنيَّة بينما يعترف الأرمن بِسيادة المُسلمين عليهم بِالشُرُوط نفسها التي سبق لِلفُرس أن مارسوا بها سيادتهم على أرمينية، ويُعيِّن المُسلمون حاكمًا أرمنيًّا عامًّا على أرمينية بينما يضع الأرمن فرقة عسكريَّة تعدادها خمسة عشر ألف جُندي بِتصرُّف المُسلمين.
كانت تلك المُعاهدة مُناسبة لِلأرمن من واقع وضعهم الحرج بعد إحجام بيزنطة عن مُساعدتهم، في حين سبَّبت لِبيزنطة خيبة أمل كبيرة، لِأنَّ البيزنطيين كانوا يأملون في استمرار سُخُونة الجبهة الأرمنيَّة، لِتخفيف الضغط على الجبهات الأُخرى مع المُسلمين، كما أنَّ الأرمن لم يكونوا راغبين في التضحية بأنفسهم من أجل إمبراطوريَّةٍ هرمة، أضحت عاجزة عن الدفاع عن حُدُودها وولاياتها. ثُمَّ حدث أن تطوَّرت العلاقات الإسلاميَّة - الأرمنيَّة نحو الأفضل، وأبدى الأرمن استعدادهم لِلتحالف مع المُسلمين، وانفصالهم نهائيًّا عن الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، مُقابل منحهم نوعًا من الاستقلال المحلِّي. وجرت مُفاوضات بين الطرفين من أجل ذلك أسفرت عن اتفاقٍ آخر يُعد مُتممًا لِلاتفاق السابق، وتضمَّن البُنُود التالية: عدم فرض جزية على أرمينية لِمُدَّة سبع سنوات؛ وأن يُقدِّم الأرمن فدية خِلال مُدَّة الاتفاق التي تُركت مفتوحة تتناسب مع قُدرتهم الاقتصاديَّة، وذلك ضمانًا لِبقاء استقلالهم، وفعلًا دفعوا لِلدولة الإسلاميَّة مبلغًا رمزيًّا مقداره خُمسُمائة دينار؛ وأن يُقدِّم الأرمن قُوَّة عسكريَّة قوامها خمسة عشر ألف مُقاتل تُساعد القُوَّات الإسلاميَّة في حُرُوبها مع أعدائها باستثناء جبهة الشَّام؛ ويُعيَّن المُسلمون على بلاد الأرمن حاكمًا أرمنيًّا؛ ولا يأوي الأرمن عدُوًّا لِلمُسلمين ولا يُساعدونه؛ ويتعهَّد المُسلمون بِمُساعدة الأرمن إذا تعرَّضوا لِغزوٍ بيزنطيّ.