اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عاشَ خمساً وتسعين سَنَةً، كانَت حياته يُنبوعاً في العلم والدَّقة واستقامةِ الذاكرة الَّتي لمْ تُلْوِها الأيام، وتَوقّد ذهن لم تُطْفِئْهُ السّنون. كانَ يقولُ : " هذه جوارحٌ حفظناها عن الْمعاصي في الصِّغر فحفظَها اللهُ علينا في الكِبَر".
فمُنْذُ أنْ وَعَى الحياةَ وهو في شَرْخِ شَبابِه كان يُحِبُّ مُجالَسَةَ العُلماء والصَّالحين، وذَوِي الفِكْرِ والفَضل ممن سَبَرَهم الدَّهرُ وعَجَمَتْ أعوادَهم الأيامُ.
كان رَحمَهُ اللهُ تعالى مُنَوَّر الشَّيْبَة، وَقوراً في مِشْيَتِهِ ومَجْلِسهِ وحَديثِه، يتَحلَّى بإباءٍ وشَمَم ورُجولةٍ كاملةٍ وحَصافَةِ عقلٍ وافرةٍ، يَصْدَعُ بكَلِمَةِ الْحَقِّ في تَلَطُفٍ وحِكْمةٍ، ثم في صَراحَةٍ ووضوح.
كانَ حَاضرَ البَديهة، صَادقَ الْفِراسَة، مُتَحَرّجاً عن الفُتْيا، عَاليَ الجنابِ، زاهداً بما في أيدي النّاس، مُعْتمداً على اللهِ في المَنْشَط والْمَكْرَه، مُستعيناً به في تصرُّفه ومُستقرِّه، سائلهُ أنْ يدخلَهُ مِضمار السَّابقين، وينزلهُ لسانَ صِدقٍ في الآخرين.
كان عظيمَ التَّواضِع بدون ضَعَةٍ ، له مِن اسمه " زين العابدين" النَّصيب الأوفى بالتَّعبد والرّجوع إليه. لايُحبُ أن يُثقِلَ ظِلّه على أحدٍ، حتى على وَلدِه، كان عَفَّ اللِّسان يُحبُ ّ الْخيرَ وأهلَهُ، ويَقْتفي آثارَ أُولِي الفَضْلِ من العُلماءِ العَاملين والأتقياء الصّالحين الَّذين تَخَلَّف عن قافلتهم ليَحْذُوَ حَذْوَهُم ويسيرَ على قَدَمِهم. وكم كانتْ السَّعادةُ تَغْمرُ قلبَه والْفَرحةُ تَملأُ جوانِحَهُ بسَيْرِ طَيْفِهم وذِكر حَديثِهم.
وصَفَهُ فَضيلةُ الشَّيْخِ أحْمَد سَرْدار رحمَهُ اللهُ تعالى في كِتابِه وهو يتَحَدَّثُ عنه بقولِهِ:
" حَضَرْتُ دُرُوسَهُ، وجالَستُه في بعضِ الْبيوت بِحلب، وتَقرَّبْتُ منه أكثر فأكثر أثناء دراستي في مَعهد العُلوم الشَّرْعِيَّة، وقَرأتُ عليه الشَّمائل المُحَمَّديِّة للإمام التِّرمذي مع شرح الْحديث وتَراجم الصَّحابة الذين وَرَدَتْ أسماؤهم أثناء الحديث والشَّرح، وقرأتُ عليه من علم التَّوحيد ؛ الْجَوْهرة مع شَرْحِها، وله مُطالعاتٌ كثيرةٌ، وتقييداتٌ وتقريراتٌ أكثر وأشهر، وطلابه وتلامذته يعرفونه تمام المَعرفة، فهو المِثال في العِلْمِ وتَعليمه بحيث يُشعِرُ تلميذه بين يديه أنَّه ولدٌ من أولادِه، فكانَ هؤلاء ولا يزالون على تمام محبتهم له، لمَا فيه من الصِّفات التي تميَّز بها، ، فهو سَخيّ النَّفس كريم اليد، مِضْياف في منزله، ويُشعر ضيفه أنّه صاحب المنزل، يستقبِل بالتِّرحاب والتَّكريم ويُودّع بالمثل، ومَدارِكُهُ بعيدة المدى، شجاعٌ كبيرٌ قَرَنَ شَجاعتَهُ بالأدب والعقل، وهذه هي الشَّجاعة، فإن خرجَتْ عن حدِّ العقل كانتْ تَهوُّراً، وهيئته هيئةُ المُحدَِّثين، ولا غَرْوَ في ذلك فهو ممن ورثهم وأخذ عنهم، فهو مُتَواضعٌ، حَسَنُ المعاشرة، وحَسَنُ المحاضرة، أخلاقُهُ عالية وتربيتُه سامِية، مَهيب الطَّلعة وقور، صحِبْتُهُ أثناء الدِّراسةِ وبعدها، فكان نِعْمَ الأستاذ ونِعْمَ المُحَدِّث والمُرْشِد ، ينظُرُ إلى تلامذتِهِ بعد التَّخرجِ كما ينظُرُ الأخُ إلى أخيه، لا يتعالى على أحد منهم، وينظرُ إليهم أيضاً كقرناء له، وكيف يقارنُ البحرُ بالسَّاقية، ولكنَّه الخُلُقُ الرَّفيع ، وكنتُ ولا أزالُ أنظرُ إليه كما ينظرُ الولدُ إلى أبيه البار به المحترم عنده وعند سائر النّاس، يُكْثرُ من الصَّلوات والتَّسليمات على سيّدنا رسول الله‘ وله أورادٌ وأذكارٌ وأدعية، وقدمٌ كبيرٌ في التَّصوف الصَّافي، صَحِبَ الشَّيْخ أبا النصر مُحَمَّد بن سليم خلف الْحُمْصي، والشَّيْخ رجب الطَّائي الْحلبي، والشَّيْخ مُحَمَّد الْهاشمي الدِّمشقي، وبالْجُملةِ فهو مُدَرسٌ مُقرِّرٌ فاضلٌ، وخطيبٌ مُحاضر كاملٌ، له تأثيرٌ في القلوب حال وعظه وإرشاده العام كأنَّه الْحَسَنُ البصريّ أبو سعيد، وفي حال خوفه وخشوعه فكأنَّه مُحَمَّد بن سيرين، صاحب تقوى وورع وعبادة لله تعالى والتزام بالشَّرع الشَّريف، وتمسُّك بالسُّنَّة الْمُطَهَّرة، مُحبّ لله ولرسولهِ ولمن والاهما ".