اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أوردَ خيرُ الدينِ في مذكّراتِهِ أنَّ أحدَ أمراءِ بني زيَّانَ وهو "الأميرُ مسعودٍ" قدِمَ إليهِ طالباً مساندتّهُ ضدَّ أخيهِ الأكبرِ "مولاي عبدَ اللهِ"، فقامَ بإرسالِ قوةٍ من ثلاثةِ آلافِ فارسٍ وألفِ راجلٍ معه. وكانَ السببُ حسْبَما ذكرَ علمَهُ من جواسيسِهِ أنّ صاحبَ تِلِمْسان "مولاي عبدَ اللهِ" بدأ يُثيرُ النّاسَ ضدّهُ ويتكلمُ عنه بسوء. ماإنْ علمَ مولاي عبدَ اللهِ بقواتِ خيرِ الدينِ حتى لاذَ بالفرارِ إلى وهرانَ مستغيثاً بالإسبانِ، أمّا مسعودُ فحقّقَ انتصاراً بارداً دونما قطرةِ دمٍٍ، ودخلَ تِلِمْسانَ وتربّعَ على عرشِهَا. وكافَأ جندَ خيرِ الدينِ والمتطوعينَ العربَ ممّنْ شاركَ معهُ، وبعثَ لخيرِ الدينِ خمسينَ ألفاً قيمةَ الخراجِ السنويِّ إضافةً لعددٍ كبيرٍ من الهدايا، وكتبَ خيرُ الدينِ خطاباً له جاءَ فيهِ: «الآنَ بفضلِ سلطانِنا جلستَ على عرشِ أجدادِك، فاحذرْ ممّا كانَ سبباً في حرمانِ أخيك من عرشهِ، وإيّاكَ وظلمَ المسلمينَ، ولاتخالفْ أوامري قيدَ أُنْمُلَةٍ، ولاتتأخرْ عن دفعِ الخراجِ السنويّ يوماً واحداً، ولاأسمعُ عنك أنّك أقمْتَ أيّ علاقةٍ بالإسبان، فهُمْ سوفَ يقضونَ عليكَ عندما يتمكّنُونَ منك. وتذكرْ بأنَّ أخوَيْك الكبيرينِ في وهرانَ لاجئيْنِ عندَ الإسبانِ. وإذا كنتَ لاتريدُ أنْ ترى أحداً منهُما جالساً على عرشِك فخذْ ما يلزمُ من تدابيرَ لحمايةِ نفسِكَ وعرشك».
لكنَّ مسعوداً كما يذكرُ خيرُ الدينِ ماإنْ جلسَ على العرشِ حتى شرعَ في ظلمِ الناسِ ونهْبِ أموالِهم بغيرِ حقٍّ، ومزّقَ كتابَ خيرِ الدينِ بعدَ قراءَتِه، فسمعَ أخوهُ اللاجئُ لوهرانَ بفعلِه فاتّصلَ بخيرِ الدينِ طالباً المساعدةَ واعداً بأنْ يكونَ طوعَ أمرِهِ، فانتهزَها خيرُ الدينِ فرصةً فعفا عنه فيما كانَ راسياً في مستغانمَ القريبةِ من وهرانَ والتي فتحَها بدونِ عناءٍ وكانتْ بيدِ الإسبانِ، فقدمَ إليهِ "الأميرُ عبدِ اللهِ الزيّاني"، وأرسلَ معهُ ألفاً من رجالِهِ إلى تِلِمْسانَ. في الوقتِ نفسِهِ كانَ خيرُ الدينِ منشغلاً بإسكانِ ألفيْنِ ومئتيْنِ وخمسةٍ وثمانينَ مهاجراً موريسكياً في نواحي مستغانمَ كانَ حملَهُم على سفنِهِ من الأندلسِ، فوهبَهُم أراضيَ لاستصلاحِها والعملِ بها.
وصلَ "الأميرُ عبدُ اللهِ الزيّاني" إلى تِلِمْسانَ، وتربّعَ حاكماً عليها فيما تحصّنَ أخوه "مسعودٌ" بالقلعةِ خمسةً وعشرينَ يوماً. فلجأ البحّارةُ الذين أرسلَهُم خيرُ الدينِ عوناً لعبدِ اللهِ لخدعةٍ حربيةٍ لعدمِ امتلاكِهِم المدافعَ إذْ رفعُوا الحصارَ وتظاهرُوا بالفرارِ، فلمّا شاعَ بينَ أنصارِ مسعودٍ فرارُهم دفعَهُم الاستيلاءُ على الغنائمِ لتعقّبِهِم، فارتدَّ البحّارةُ إليهِم واستوْلَوا على القلعةِ وسلّمُوها للأميرِ عبدِ الله. عقبَ سقوطِ القلعةِ فرَّ مسعودٌ مع خمسةٍ أو عشرةٍ من رجالِهِ دونَ معرفةِ مصيرِهم متخلياً عن ستةِ آلافٍ من المقاتلينَ البدوِ الذين تحصّنَ بهم في القلعةِ وهربَ منها دونَ إخبارِهِم حتى إنَّهُم استمرُّوا بقتالِ بحّارةِ خيرِ الدينِ وهم لايعلمونَ أنَّ أميرَهم هرب، حتى إذا علمُوا أعلنُوا استسلامَهُم. في معركةِ تِلِمْسانَ هذهِ قامَ بحّارةُ خيرِ الدينِ بقتلِ خمسةِ آلافِ بدويِّ وعفا عمّن ألقى سلاحَه واستسلم. وويومَ الجمعةِ قُرِئَتْ الخطبةُ باسمِ السلطانِ العثمانيِّ سليمٍ الأولِ دلالةَ التّبعيّة. وبعدَ ذلكَ غادرَ البحّارةُ وقدْ تركُوا مئةً منهم بطلبٍ من السلطان.