اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأ الصراع بين قاسم وفرقاءه من أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين أو "الأحرار" والشخصيات السياسية الفاعلة في الساحة السياسية من مختلف التيارات بسبب بعض الإجراءات التي اتخذها عبد الكريم قاسم منها تفرده في السلطة وفرضه لهيمنة العسكر والحزب الشيوعي على الوزارة والسياسة العراقية، حيث منح صلاحيات واسعة للتيارات اليسارية من الشيوعيين المعارضين لتطبيق الأحكام الإسلامية في القانون العراقي والذين كانوا وراء إصدار قانون الأحوال الشخصية الذي شجبته المراجع الدينية، وكذلك ابتعاد قاسم عن ما اتفق علية فيما سمي بالميثاق الوطني لتنظيم الضباط الوطنيين "أو الأحرار" لانضمام العراق للاتحاد العربي المسمى "الجمهورية العربية المتحدة"، وبدلا عن ذلك دخل قاسم في عداء مع أغلب الدول العربية خصوصا المحيطة بالعراق وتوج اجرائاته بإلغاء عضوية العراق من الجامعة العربية. وكذلك الاضطرابات التي حدثت ابان حكم قاسم بسبب حملات إعدام بعض قادة تنظيم الضباط الوطنيين والأحداث المؤسفة التي قامت بها المليشيات الشيوعية في الموصل وكركوك، علاوةً على انتفاضة الأكراد في سبتمبر / أيلول من عام 1961 وضربهم بقسوة، مما أدى إلى إضعاف أكثر للهيمنة المركزية لقاسم على حكم العراق. كما كانت لطلب قاسم في ضم الكويت للعراق سنة 1961 أثره في زعزعة السياسة الخارجية وإظهاره بمظهر المتخبط.
كان تنظيم الضباط الوطنيين عبارة عن خلايا وتجمعات مستقلة توحدت عام 1957 وتأسست أول خلية عام 1949 بعد حرب فلسطين، أسسها العقيد رفعت الحاج سري، وكان قاسم ينتمي إلى خلية في معسكر المنصورية في ديالى جلها من الضباط ذوي الأصول الفلاحية أو الفقيرة ومن المنتمين للتيارات الشيوعية في زمن كانت الطبقة والبيوت العائلية والقبلية تلعب دورا وتظهر هيمنة في المجتمع. فتاثر قاسم بالتجربة الاشتراكية والشيوعية التي لا تعير اهتماما للتطلعات الدينية ولا القومية. وفي الطرف الآخر كان أغلب تنظيم الضباط الوطنيين ينتمون إلى حركات التحرر التي تنادي بالوحدة العربية. لاسيما بعد تأجيج المشاعر القومية على أعقاب ثورتي رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز عام 1941 وثورة يوليو / تموز في مصر وما تبعها من إجراءات رأت فيها الجماهير ضرب للمصالح الاستعمارية كتاميم قناة السويس وقيام الاتحاد العربي المسمى بالجمهورية العربية المتحدة.
تحول صراع الأيديولوجيات بشكل تدريجي إلى صراع مسلح بين الفرقاء، وبدأت سلسلة من المحاولات من الجانبين لفرض المواقف فبعد أن أحس بعض رفاق سلاح عبد الكريم قاسم في تنظيم الضباط الوطنيين ومعهم شخصيات من التيار القومي وحزب البعث بان عبد الكريم قاسم يمارس معهم عملية اقصاء وما اسموه بعدم تنفيذه لما اتفق عليه قبل حركة 14 يوليو/ تموز وانفراده بالحكم، شجع ذلك عضو التنظيم العقيد عبد الوهاب الشواف بالقيام محاولة انقلاب عسكرية عرفت باسم حركة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل في 8 مارس/ أيار من سنة 1959، أو ثورة الشواف، والتي أخمدها العميد عبد الكريم قاسم بقسوة حيث قتل وأعدم منفذيها. وتلا ذلك استهداف قاسم من قبل حزب البعث في 7 أكتوبر/ تشرين الأول من سنة 1959 حيث تعرض عبد الكريم قاسم إلى محاولة اغتيال سببت له إصابات بليغة في كتفه، وبعد سلسلة من الاعتقالات والمداهمات أطلق قاسم شعاره: "عفا الله عما سلف".
وفي تاريخ تلك المرحلة وقعت ثلاثة أحداث مثيرة للجدل، وهي ما أشيع من قبل حكومة عبد الكريم قاسم عن اكتشاف محاولات قلب نظام الحكم والتي لم يتأكد من صحتها بالوثائق أثناء المحاكمات التي عُقدت بشأنها ولا بعد ذلك إضافة إلى تقديم المشتكين لوثائق أخرى تثبت برائتهم مما أثار سخط الرأي العام في حينه حول ما أسموه الدواعي وراء تلفيق التهم لقادة حركة 14 يوليو/ تموز أو الرموز الوطنية الأخرى.
فالحدث الأول الذي أثار جدلاً كبيرا امام الراي العام هو ما أشاعته الحكومة بأن عبد السلام عارف حاول اغتيال عبد الكريم قاسم والتي حدثت أثناء اجتماع اعتيادي ضم قاسم وعارف وبعض المسؤولين فحين همّ عارف بالجلوس اخذ يعدل ملابسه ونطاقه العسكري المتضمن مسدسه. وفي تلك الفترة كان قاسم ممتعضا من عارف بسبب ازدياد شعبيته لدوره الرئيس في حركة 14 تموز من جهه وزياراته للمحافظات وإلقاءه للخطب الارتجالية عن دوره في الثورة وضرورة قيام الوحدة للحفاظ على الثورة من التهديدات البريطانية والإسرائيلية. والتي أثارت امتعاض رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم، لا سيما بعد زيارة عارف لسوريا والتي كانت متوحدة مع مصر في الجمهورية العربية المتحدة، حيث بدأت شعبيته محليا وعربيا تزداد بشكل ملحوظ، من هنا ازدادت مخاوف قاسم الذي اعتقد أو استغل تلك الفرصة للتخلص من عارف وإبعاده عن الوزارة ومركز القرار. حيث نفى عارف التهمة المنسوبة إليه واستشهد بشهود من الحاضرين في الاجتماع، حيث اكتفى قاسم باعتقاله على عجل ثم أصدر أوامره بتعيينه سفيرا في ألمانيا كونه درس وعاش في ذلك البلد قرابة ست سنوات. وبعد عودة عارف من ألمانيا على أثر البرقية التي أرسلتها له عائلته لضرورة مجيئه لمرض والده العضال والذي توفي على اثره، استثمر قاسم هذه الحادثة وقام باعتقال عبد السلام عارف وتقديمه أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة على الرغم من تقديمه للبرقية وشهادة الشهود من عائلته والتقارير الطبية التي قدمتها عقيلته وأخوه عبد السميع للمحكمة، إلا أن الأخيرة قضت بإعدامه، وظل معتقلا في السجن العسكري رقم واحد بانتظار يوم إعدامه لمدة سنتين. وبعد حادثة فشل الوحدة بين مصر وسوريا والتي صرح قاسم بأنه دعم قادة الانفصال فيها، العميد عبد الكريم النحلاوي والعقيد موفق عصاصة، "لتحرير سوريا من الهيمنة المصرية". فوجد رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم بأن الخطر قد زال فأصدر عام 1961 أمراً دون الرجوع للمحكمة بتحويل حكم إعدام عارف إلى المؤبد بصيغة الإقامة الجبرية، حيث بقي عبد السلام عارف معتقلا في منزله حتى قيام حركة 8 فبراير/ شباط من عام 1963م، ولم يخلي سبيله رغم مطالبة زملاءه وعائلته ورفاق السلاح.
أما الحدث الثاني فهو زج اسم عميد أركان الحرب ناظم الطبقجلي مع المتهمين بحركة الشواف، إلا أن المحكمة لم تستطع إثبات التهمة المنسوبة إليه بالوثائق. فلم يكن عبد السلام عارف هو الوحيد الذي يخشى منه عبد الكريم قاسم، بل كان يخشى من أغلب أعضاء تنظيم الضباط الوطنيين حيث احتج كل من العميد ناظم الطبقجلي والعقيد عبد الوهاب الشواف والعقيد رفعت الحاج سري على إبعادهم من الواجهة السياسية والوزارة أو من عدم تشكيل المجلس الوطني لقيادة الثورة وتعليق انتخاب رئيس للجمهورية، حيث وزعهم على المعسكرات في المحافظات البعيدة عن بغداد. وبعد اعتقال الطبقجلي وتصريحه امام شاشات التلفزيون بانه يتحدى الحكومة بان تثبت التهمة عليه وإنه قد تم تعذيبه واهانته، تم إعدامه مما أدى إلى سخط الراي العام.
والحدث الثالث الذي شغل الرأي العام فهو ما أشاعته الحكومة بان وراء عودة الشخصية الوطنية العراقية رشيد عالي الكيلاني باشا رئيس الوزراء الأسبق وقائد ثورة مايو/ أيار عام 1941 هو التخطيط لمحاولة انقلابية في عام 1959 وقد نفى الكيلاني التهم بسخرية قائلا: "لم انتظر يوما قط وأنا في المنفى بعيداً عن الوطن، أن يقدم لي أحد مكافأة على ما قمت به من دور وطني في سبيل تحرير العراق، وقد استبشرت بقيام الثورة وعدت لبلدي الحبيب، ولم أتوقع ان أكافأ بهذه الطريق وقد بلغ بي العمر 84 عاما". تم تقديم الكيلاني إلى المحكمة العليا الخاصة والتي حكمت عليه بالإعدام بالرغم من نفيه لهذه المزاعم مطالبا بتقديم وثائق تثبت هذه التهمة مما أدى إلى عدم تنفيذ الحكم ثم أطلق سراحه فيما بعد ونفي إلى لبنان حيث لاقته المنية عام 1965 في بيروت.
أدى سخط الشارع لما اعتبره الرأي العام محاولة قاسم وحكومته وحلفائه من الشيوعيين إلى ابعاد جميع الشخصيات الفاعلة والمؤثرة في الشارع عن الواجهة السياسية بتلفيق التهم لها أو ابعادها عن المسرح السياسي بنقلها إلى وحدات عسكرية بعيدة عن بغداد كما حدث لقادة تنظيم الضباط الوطنيين، وما عزز هذا الاعتقاد حول الشكوك بصحة هذه التهم هو اعتقاد بعض الباحثين والمؤرخين حول كونهما قصتين ملفقتين لغرض التصفية السياسية حيث لم يتم العثور على أي وثيقة تثبت تورط عارف والكيلاني والطبقجلي بأي محاولة انقلابية لا في حينها ولا بعد نشر الوثائق ومحاضر جلسات مجالس الوزراء بعد احتلال بغداد عام 2003.