اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي (385 -460هـ / 995 - 1050 م) المعروف بشيخ الطائفة والشيخ الطوسي مؤلف كتابين من الكتب الأربعة ومن كبار المتكلمين والمحدثين والمفسرين والفقهاء الشيعة. قدم إلى العراق من خراسان في سن الثالثة والعشرين وتتلمذ على أعاظم العلماء هناك كالشيخ المفيد و السيد المرتضي. أسند إليه الخليفة العباسي كرسي كلام بغداد. وعندما احترقت مكتبة شابور أثر هجوم طغرل بك اضطر للهجرة إلى النجف فأسس الحوزة هناك. ثنيت له وسادة المرجعية وزعامة المذهب الجعفري بعد وفاة السيد المرتضي وقد خدم العالم الإسلامي لا سيما المذهب الإمامية خدمات جليلة من خلال تربية آلاف التلاميذ والطلاب وتأليف العشرات من الكتب العلمية الخالدة والتي لا تزال لها أثرها المشهود. ومن خدماته تأسيس طريقة الاجتهاد المطلق وتأليف الكتب الكاملة والقيمة في الفقه و ألاصول وجعل اجتهاد الشيعة مستقلا في مقابل اجتهاد أهل السنة خصوصا مذاهبهم المهمة.
سُميَّ بالطوسيّ؛ نسبةً إلى طوس ناحية في خراسان، توسّعت فعُرفت بمدينة مشهد ( مشهد الإمام الرضا عليه السّلام )، وهي من أقدم مدن بلاد فارس وأشهرها، ومن مراكز العلم ومعاهد الثقافة بعد ورود الإمام الرضا عليه السّلام إليها وتشييد قبره فيها . وُلد الشيخ الطوسيّ بخراسان سنة 385 هجريّة، ودرس على أيدي أكابر العلماء وأفاضلهم، ومنهم: الشيخ المفيد، والشريف المرتضى وقد لازَمَه، فاعتنى المرتضى بتوجيهه وتنمية مواهبه العلميّة طوال ثمانٍ وعشرين سنة، حتّى صارت الأنظار متوجّهةً إلى الشيخ الطوسيّ أن يخلف أُستاذَه لزعامة الأُمّة بعده، فكان ذلك. وبعد أن تُوفّي الشريف المرتضى. ازدلف إلى الشيخ الطوسيّ طلبة العلم، وتقاطر عليه الفضلاء للحضور تحت منبره العلميّ، حتّى أصبحت داره في بغداد مأوى المستفيدين، فبلغ عدد تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة، ومن العامة ما لا يُحصى كثرةً.
وقد رأى تلامذتُه فيه شخصيّةً مهيبة، ونبوغاً فذّاً، فضلاً عن جمعه بين المعرفة والعمل، حتّى أُعجب به حاكم زمانه القائم بأمر الله، فجعل له كرسيَّ الكلام والإفادة، الذي لم يسمحوا به يومذاك إلا لوحيد العصر في علومه، فكان الشيخ الطوسيّ يجلس على ذلك الكرسيّ ويلقي مِن عليه علومه. حتّى اقتربت النيران فقام عنه الشيخ قبل أن يحترق الكرسيّ والبيت والمكتبة. لهيب الفتنة سقطت بغداد بيد أتراك السلاجقة فدخلها طغرل بك سنة 447 هجريّة فأوقع الفتنة بين السنة والشيعة سنة 448 هجريّة، وأحرق مكتبة شابور الشيعيّة التي لم يكن يومها مكتبة أعظم منها ـ كما يذكر ياقوت الحمويّ ـ .
وفي تلك السنة كُبست دار الشيخ الطوسيّ ونُهبت وأُحرقت مكتبته وكرسيّه، فكان لابدّ من الرحيل اتّقاء الفتنة الزاحفة، فهاجر الشيخ إلى مشهد أمير المؤمنين،الإمام علي (عليه السّلام) في النجف الشرف. فأنشأ هناك جامعة علميّة كبرى، حتّى أصبحت المدينة عاصمةً للعلم ومركزاً للعلماء، فاتّجه الفضلاء إليها ليتخرّج منها آلاف من أعاظم الفقهاء ونوابغ المتكلمين وأفاضل المفسّرين واللغويّين والمؤرّخين والبارعين. و تُسمى تلك الجامعة اليوم بالحوزة العلمية.
ثمّ بعد وفاته تحوّل قبر الشيخ الطوسيّ إلى مدرسة شامخة لنشر معارف الإسلام، ومركزاً للحوزة العلميّة ومراجعها.
وهي تؤول إلى أهل الخبرة والاختصاص، وهذه بعض كلماتهم في الشيخ الطوسيّ:
إذن... لا غرابة إذا كان الشيخ عبد المجيد سليم ـ شيخ الأزهر ـ كثير الإعجاب بفقه الشيعة خاصّة بعد أن أُهديَ إليه كتاب ( المبسوط ) للطوسيّ. ولا غرابة أيضاً أن يقول الدكتور عبدالله بن عبدالقادر بلفقيه العلوي ( مفتي لجنة الإفتاء الشرعيّ ورئيس معهد دار الحديث وعميد كليّة المعلّمين في مالانج بأندونيسيا ) في رسالته إلى المؤتمر الألفيّ للشيخ الطوسيّ: الشيخ الطوسيّ هو من الأفذاذ الذين قلّ أن يجود الدهر بأمثاله.
كما لا غرابة بعد ذلك أن يشيد بالشيخ الطوسيّ الأستاذ سعيد أحمد أكبر آبادي ( عميد كليّة الدين ـ القسم السنّيّ ـ بالجامعة الإسلاميّة في عليگره بالهند )، فيقول في كلمته إلى المؤتمر الألفيّ: لا يخفى على مَن له إلمام بتاريخ النبوغ الفكريّ في الإسلام، أنّ شيخنا شيخ الطائفة أبا جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ كان من أمثال أولئك الأعلام المجتهدين المجدّدين الذين يتأسّى بهم العلماء، ويقتدي بهم الحكماء. وممّا لا مساغ فيه للشكّ، أنّه كان رجلاً موهوباً، وعلَماً فرداً، وآيةً من آيات الله البالغة، وحُجّةً مِن حججه الكاملة .
عاش الشيخ الطوسيّ بعد وفاة أستاذه الشريف المرتضى أربعاً وعشرين سنة، اثنتَي عشرة سنةً منها في بغداد حتّى وقوع فتنة طغرل بيك، فانتقل بعدها إلى مشهد الغريّ في النجف، فبقي هناك اثنتَي عشرة سنةً مشغولاً بالتدريس والهداية والتأليف والإرشاد.. وسائر وظائف الشرع الحنيف وتكاليفه، حتّى تُوفّي في الثاني والعشرين من محرّم عام 460 هجريّ عن عمرٍ ناهز الخامسة والسبعين عاماً. وقد أرّخ ذلك بعضُ المتأخّرين مخاطباً مرقدَه:
إلى أن قال:
وبعد دفنه رضوان الله عليه، أصبحت داره التي دُفن فيها مسجداً مشهوراً حسب وصيّته يُسمّى بـ ( مسجد الطوسيّ )، ثمّ صار من أشهر مساجد النجف، تُعقد فيه صلوات الجماعة على مدى مئات السنين، ومئاتُ حلقات التدريس مِن قِبل كبار المجتهدين والمدرّسين، بل صار مدرسةً للعلماء ومعهداً للعلوم، تخرّج منه آلاف المجتهدين. وبقي الشيخ الطوسيّ مَعْلَماً شامخاً تفتخر به الأمّة في جميع محافلها العلميّة: المحليّة منها والعالميّة، بعد أن أسدى هذا العالم خدمةً إنسانيّة كبيرة سدّ بها ثغراتٍ كثيرةً في المكتبة الفكرية والإنسانيّة، وفتح الآفاق الواسعة أمام الأجيال، وصار رمزاً من رموز حضارتنا الإسلاميّة. طباعة
المواهب الطيّبة للشيخ الطوسيّ أثمرت عن مؤلّفات احتلّت المكانة السامية بين آلاف الكتب التي انتجتها عقول العلماء. فقد جمعت مؤلّفاته معظم العلوم: أصليّةً وفرعيّة، وتضمّنت حلّ معضلات البحوث الكلاميّة، كما تبنّت ما يحتاج إليه علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
وكان الشيخ مخلصاً في تآليفه، لم يطلب شهرةً أو رئاسة، ولم يكن منه مراء أو مباهاة، فكُتب له التوفيق حتّى جاءت كتبه متميّزةً عن السابقين، إذ أصبحت مصدراً لمعظم مؤلّفي القرون الوسطى، تُستقى منها مادّتُهم؛ لأنّها حوت خلاصة الكتب الأصول بأسلوب جديد وبراهين وافرة. إضافة إلى عدد كبير من كتبه ورسائله ومسائله في القرآن والكلام والعبادات والفقه والدعاء والرواية. قال الشيخ آقا بزرگ الطهرانيّ: كتب الشيخ الطوسيّ في كافة العلوم، من: الفقه وأصوله، والكلام والتفسير والحديث والرجال، والأدعية والعبادات.. وغيرها. وكانت ـ ولم تزل ـ مؤلّفاته في كلّ علمٍ من العلوم مآخذَ علوم الدين، بأنوارها يستضيئون، ومنها يقتبسون، وعليها يعتمدون.. ولم يدع الشيخُ الطوسيّ باباً إلا طرقه، ولا طريقاً إلاّ سلكها، وقد ترك لنا نتاجاً طيّباً متنوّعاً غذّى به عقولَ فطاحل عدّة قرونٍ وأجيال. نذكر منها ما يلي: