يقول البروفيسور حامد الرفاعي، في كتابه (شركاء .. لا أوصياء): وحيث أن الناس اليوم ومن قبل على تنوع في الاعتقاد، وعلى تنوع في الثقافات، وعلى تنوع في الفلسفة، والنظرة للحياة والكون، جاء على أساس من ذلك "التنوع في التعددية الحضارية".
وبرزت في إطار "التعددية الحضارية"، تعددية قيم ومبادئ، وسلوكيات الأداء الحضاري بين الناس بكافة، وبين المجتمعات الدولية بخاصة، وأحسب أن الخطورة التي تواجهها المسيرة الحضارية في الأرض اليوم، مصدرها التناقضات الثقافية والمعايير المضطربة والسلوكيات الشاذة في الأداء الحضاري، ومردها إلى التدهور الأخلاقي والقيمي، في ميادين استثمار وتوظيف العطاء الحضاري المادي، والذي كما أوضحنا من قبل هو عطاء حيادي، فالمادة ليس لديها إلا الخير، ولم تسخر بين يدي الإنسان إلا لخير، ولكن سلوكيات الإنسان، وقيمه وأخلاقياته، هي التي تحدد وترسم سلوكيات وأخلاقيات استخدام العطاء الحضاري، واستثمار وتوظيف الناتج الحضاري، ومن هنا يبرز جوهر العلاقة بين الشق المادي للحضارة، وهوية شقها الثقافي الذي أنتجها.
والتاريخ قديمه، وحديثه، يقدم لنا نماذج واقعية عن مسؤولية الثقافة، والقيم، والمبادئ، في تحديد هوية الحضارات، وسيرها سلباً أو إيجاباً، تقدماً أو تخلفاً، استمرارية أو اندثاراً.
فالتاريخ يحدثنا، أن أقواماً منذ بدء حركة الإنسان في الأرض، بذلوا جهدهم وأعملوا عقولهم، في تفعيل واستثمار طاقة الأشياء من حولهم، وقامت حضارات، واندثرت أخرى، وأبدعت ثقافات أقوام في عطائها الحضاري، وأخفقت أخرى، وأحسن قوم، وأساء آخرون.
والدراسات والتأملات في سيرة الحضارات البائدة، تؤكد أن الجانب الثقافي، والقيمي، كان المسؤول الأول عن نمو وارتقاء الحضارات أو تخلفها واندثارها، كما يجده الباحث واضحاً وبيناً في تتبع سيرة بعض الحضارات مثل: حضارة حمورابي، وحضارة مانو، وبوذا، وكونفوشيوس، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، مما لا يحتمل المقام التفصيل بشأنها واستعراضها، ولكن يمكن القول وباختصار أنها بجملتها قامت على مزيج من الأوامر الدينية، والأعراف، والفلسفات، وأنها خلطت في مسيرتها بين الخير والشر، والعدل والظلم، واحترام الإنسان في جانب، واحتقاره وإذلاله من جانب آخر.
وقد قامت هذه الحضارات، وبادت بسبب من ظلم أهلها، وتخلفهم الثقافي والقيمي، رغم أنهم جميعاً بذلوا جهوداً كبيرة في البحث عن مكنونات الأرض وتفعيل طاقاتها، وأشادوا ضروحاً شامخة من البناء الحضاري المادي، التي لا يزال الكثير من آثارها شاهداً على عظمة إبداع ومهارات تلك الأقوام في أزمنتهم، إلا أنهم للأسف بادوا واندثروا، ولم يخلفوا للأجيال البشرية، ما تستفيد منه.
وعلى حساب إنسانية الإنسان، يقول الرئيس الأسبق الإتحاد السوفييتي، ميخائيل جورباتشوف، في كتابه (البيريسترويكا) ، محاولاً تدارك ذلك، باعثاً صرخاته، ولكن بعد فوات الأوان .. وإليكم نماذج مما يقول :
- يمكن لصواريخنا أن تصل إلى مذنب هالي وتطير إلى الزهرة بدقة مذهلة، ولكن إلى جانب هذه الانتصارات العملية والتكنولوجية نجد نقصاً واضحاً في الكفاءة في استخدام المنجزات العملية للحاجات الاقتصادية، كما أن كثيراً من الأجهزة المنزلية السوفيتية من نوع رديء، ولسوء الحظ فليس هذا كل ما في الأمر، فقد بدأ تدهور تدريجي في القيم الأيدلوجية والمعنوية لقيمنا .. وبدأ الفساد يسري في الأخلاقيات العامة، وزاد إدمان الخمور والمخدرات والجرائم، وسنواصل بحزم النضال ضد المسكرات وإدمان الكحوليات.
- ومهمتنا الرئيسية اليوم هي أن نرفع من روح الفرد، ونحترم عالمه الداخلي ونعطيه قوة معنوية، ونحن نسعى لأن نجعل كل قدرات المجتمع الفكرية وكل إمكانياته الثقافية تعمل من أجل تشكيل شخص نشط اجتماعياً وغني روحياً، ومستقيم وحي الضمير، وينبغي أن يعرف كل فرد ويشعر أن هناك حاجة إلى إسهامه، وأن كرامته لا تخدش، وأن يعامل بثقة واحترام، وعندما يرى الفرد كل ذلك فإن في مقدوره أن يحقـق الكثير·
- ولكن طوال سنوات تاريخنا البطو . لقد بد أنا الآن نعالج هذه المشكلة بشكل جاد . وإحدى المهام الاجتماعية والأكثر إلحاحاً بالنسبة لنا وهي مهمة هامة كذلك في الحمــلة ضد المسكرات تتمثل في تحسين صحة الأسرة وتعزز دورها في المجتمع·
- وإنه لفي وضوح البلور أنه في العالم الذي نعيش فيه، عالم الأسلحة النووية ستكون أي محاولة لاستخدام هذه الأسلحة في حل المشاكل السوفيتية الأمريكية، إنما تعني الانتحار، هذه حقيقة لست أعتقد أن الساسة الأمريكيين غافلون عنها، وفضلاً عن ذلك، فقد نشأ الآن وضع متناقض حقيقة، فحتى لو انهمك أحد البلدين في تعزيز الأسلحة باطراد بينما لم يفعل الآخر شيئاً، فإن الجانب الذي يسلح نفسه لن يكسب مع ذلك شيئاً، فقد يفجر الجانب الأضعف ببساطة كل شحناته النووية، ولو فوق أراضيه، وهذا يعني الانتحار بالنسبة له والموت البطيء بالنسبة للعدو . ولهذا السبب فإن أي مسعى للتفوق العسكري يعني أن يدور المرء في حلقة مفرغة، ولا يمكـن استخدام ذلك في السياسة الواقعية·
إن الجانب الأكبر من الأسلحة النووية يتركز لدى الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه فإن عشرة في المائة، أو حتى واحد في المائة من إمكانياتها، كاف لإنزال أضرار لا يمكن إصلاحها مالم تتداركه قيادته قبل فوات الأوان، أو تتداركه العناية الربانية بالهداية والرشد.
ويقول الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية، ريتشارد نيكسون، في كتابه الشهير (الفرصة السانحة)
- إن الولايات المتحدة، سوف تخسر تفوقها الاقتصادي، والتكنولوجي، إذا فشلت في القيام بأداء أفضل في مجال إعداد الشباب الأمريكيين للواجبات التي تنتظرهم بمناسبة الانتقال من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد التكنولوجيا الراقية .
- أن أكثر من 25% من الأمريكيين لا يتخرجون من المدارس الثانوية، والعديد من أولئك الذي يتخرجون منها، تنقصهم المهارات كالرياضيات والعلوم نجد أن شبابنا يأتون وراء طلاب جميع البلاد الصناعية، صحيح أن بعض مدارسنا العامة تقدم أداء جيداً غير أن الكثير منها أقل فاعلية من المدارس في عديد من بلاد العالم المختلفة.
- إن معظم برامج المدارس أصبحت هينة إلى درجة أن الطلاب لم يعودوا يشعرون بحاجة إلى العمل الصارم ولذلك نجد أن ثلثي طلاب المدارس الثانوية يقضون ساعة واحدة أو أقل في إعداد دروسهم في المنزل بقراءة عشرة أسطر أو أقل من ذلك ومن ثم يشاهدون على مدى يزيد عن ثلاث ساعات كل يوم برامج التلفزيون المبلدة للذهن·
- إن أمريكا تتحرك الآن باتجاه لولبي نازل نحو ان يقبل أن يكون فيها طبقة من الأشرار التي تجعل مدننا الكبر غير آمنة إلى درجة أن الحياة فيها صارت لا تطاق.
- إن أخطر مشاكلنا الاجتماعية الجريمة والمخدرات والاعتماد على الغير في التعليم. والتي تدور حول قيم المواقف والسلوك.
- إن هذه الأمور لا تتوقف على الدولارات والبرامج الموضوعة لمعالجتها والتي تحسب بالدولارات غالباً مما تؤدي إلى نتيجة سلبية. الحاجة تدعوا ليس إلا الدولارات، بقدر ما تدعوا إلى توجيه مجموعة من القيم والقواعد التي يقبلها المجتمع ويفرضها على نفسه·
أما في كتابه (نصر بلا حرب) ، 1999م، يقول الرئيس نيكسون:
- وفي القرن الواحد والعشرين، سيقوم الإنسان بإعادة تشكيل العالم، وعلينا أن نتطلع بدور محوري في هذا المشروع العظيم، فمن الناحية المادية، سنقوم بإعادة تشكيل العالم بفضل تفجير المبتدعات التكنولوجية، وعلينا أن نحاول إعادة تشكيل العالم سياسياً من خلال استراتيجية تستهدف تحقيق سلام حقيقي، وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يغيب عنا التصدي لقضية البعد الروحي في الإنسان·
- وعلينا، ونحن نغير العالم المادي، أن نجتهد في إعادة تشكيل العالم سياسياً، ففي القرن العشرين خطا تقدمنا التكنولوجي خطوات أبعد من تقدمنا السياسي، وهو أمر ينبغي ألا ندعه يحدث.
- إن مشكلة أمريكا في ثرائها، وأن لديها اشياء كثيرة، ولكن ليس لديها رسالة روحية كافية .. إننا بحاجة إلى ضربة تجعلنا نفيق من ثرائنا، لقد انتصرنا على الطبيعة، ولكننا لم ننتصر على أنفسنا.
ويقول (جـون فوستر دالاس) وزير الـخارجية الأمريكـية الشهير:
- إن الأمر لا يتعلق في الماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية. إنما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي، فبدونه يكون كل ما لدينا قليل .
أما (الكسيس كاريل) الحائز على جائزة نوبل للعلوم ، يقول في كتابه الإنسان ذلك المجهول :
- إن علمنا بالحياة، وكيف يجب أن يعيش الإنسان، متأخر جداً عن علمنا بالماديات، وهذا الـتأخر هو الذي جنى علينا.
ويقول البروفيسور جود، رئيس قسم الفلسفة في جامعة لندن:
- إن العلوم الطبيعية، قد منحتنا القوة الجديرة بالعظماء، ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش .. إن هذا التفاوت بين فتوحاتنا العلمية المدهشة، وطفولتنا الاجتماعية المخجلة، نواجهه على كل منعطف ومخرج.
ويقول المستر إيدن رئيس وزراء بريطانيا المشهور:
- من الغريب المضحك أن البلاد والدول، تنفق الملايين من الجنيهــات لوقاية نفسها من آلة فتاكــة تخافها، ولكن لا تنفق شيئاً للقضاء على نوازع التسلط والاعتداء، والظلم والطغيان، والكبت والقهر.
ومع كل ما يؤكد كرامة الإنسان وآدميته، ويطلق حريته في اختيار معتقده ومنهج حياته وقيمه، التي تلبي نداءه الفطري وعالمه الداخلي المادي والروحي، نحن المسلمين مع كل كلمة مسؤولة، وتحرك مسؤول ومنهج مسؤول، يعمل على تحقيق العدل والاستقرار والسلام من أجل تعايش إنساني حضاري آمن.
ولكن مع ترحيبنا، بكل ما جاء من كلام إيجابي مسؤول على لسان كل من الرئيس جورياتشوف، والرئيس نيكسون، وغيرهما من عقلاء العالم، مما ذكر بعض منه.. فإننا نأسف للتناقضات الميدانية والممارسات الظالمة المشهودة في أوروبا، وأمريكا، وفي كثير من بلدان العالم، التي تنتقص من مصداقية هذه الأقوال، وتحرجنا نحن عقلاء المسلمين، من التحدث بها بين يدي أجيالنا، والتي واجهت، ولا تزال تواجه الظلم، والقهر، والذبح، والإبادة، والانتهاك الوقح للحرمات والقيم ولأدنى حقوق الإنسان في أكثر من مكان.
لذا فإننا نطالب، وننصح، بأن يصغي المسؤولون في الغرب، وفي العالم، إلى نداءات وصرخات الإصلاح التي ترتفع بها أصوات العقلاء والحكماء في العالم. بما يؤكد حرصهم المعلن على نظام عالمي تسوده القيم والمبادئ، ويقوم على التوازنية بين عالم المادة وطموحاته، وعالم الحضارة البشرية.
المصدر: wikipedia.org