اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تُعرّف أُصول الإيمان بأنّها أركان الإيمان السِّتَّة الواردة في قول النَّبيِّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- عندما جاءه جبريل -عليه السَّلام- يسأله عن الإيمان والإسلام قائلاً: (فأخْبِرْنِي عَنِ الإيمانِ، قالَ: أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ)، ويجبُ تحقُّق الإيمان بهذه الأركان جميعاً، وفي حال سُقوط واحدٍ منها فلا يُعدُّ الإنسان مؤمناً؛ لأنّ الإيمان يقوم على أركانه جميعها مثل البُنيان الذي يقوم على أركانه مكتملةً معاً. فالإيمان إذاً يقوم على هذه الأُصول السِّتة، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكُتبه، ورُسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
يتضمَّن الإيمان بالله -تعالى- أُموراً أربعةً؛ الأوَّل: الإيمان بوجوده -تعالى-، وذلك من الأُمور التي فطرَ الله عليها الإنسان، فكلُّ مولودٍ مفطورٌ على معرفة الله -تعالى-؛ لقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)، والثاني: الإيمان بربوبيَّته وإفراده -عزَّ وجلَّ- بالخلق والمُلك والتدبير والتَّقدير، لقوله -تعالى-: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ)، والثالث: الإيمان بِأُلوهيَّته وإفراده وحده بالعبادة والألوهيَّة، وهذا ما نعنيه عندما ننطق شهادة أن لا إله إلا الله، والرابع: توحيدُ أسمائه وصِفاته على الوجه الذي يليق به، وعدم تشبيهه بخلقه أو تشبيه خلقه به، يقول الله -تبارك وتعالى- عن نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
والإيمان بالله -تعالى- هو التَّصديق به وبما جاء عنه، كالإيمان بالرُّسل؛ لأن رسالتهم من عنده -تعالى-، والإيمان بيوم القيامة وكلِّ تفصيلاته؛ لأنه إخبارٌ منه بذلك، كما يتضمَّن الإيمان بالله كذلك الالتزام بأركان الإسلام؛ لأنها فرضٌ منه، بالإضافة إلى وصفه بصفات الكمال، والعمل بجميع أنواع توحيده المذكورة سابقاً، وتفصيلها فيما يأتي:
الإيمان بالملائكة هو التَّصديق الجازم بأنّ لله -تعالى- ملائكةً موجودين، ونحن نؤمن بالذين سمَّاهم لنا منهم، كجبريل -عليه السلام-، ونؤمن بغيرهم من الملائكة الذين لم يُسمِّهم لنا على سبيل الإجمال، كما نؤمن بما أعطاهم الله من صفاتٍ وبما كلَّفهم من أعمال، لقوله -تعالى-: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ).
والإيمان بالملائكة يقتضي الإيمان بأنّهم خلقٌ من خلق الله وعبيده، خَلَقهم من نور، وأنّهم حقيقيُّون لا قوىً مُتخفِّيةً، وأنَّهم جُندٌ من جند الله -تعالى-، خلق لهم أجنحةً، وأعطاهم القدرة على التَّشكُّل بالأشياء أو التَّمثُّل بالأجسام، وهم خلقٌ مختلفٌ عنّا نحن البشر؛ فهم لا يأكلون ولا يشربون، دائمو العبادة لله -تعالى- من غير مللٍ أو تعبٍ، ويُسبِّحون اللَّيل والنَّهار، وقد أوكل الله إليهم أعمالاً عديدةً؛ كحمل العرش، والوحي، وخزنة الجنّة والنار، وغير ذلك من الأعمال، وهم كثيرو العدد لا يعلم عددهم إلا الله -سبحانه وتعالى-، لقوله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ). والملائكة لا يُرَون من قِبل البشر على صورتهم الحقيقيَّة، وقد كشفهم الله -تعالى- لبعض خلقه؛ كالنَّبيِّ محمَّدٍ -عليه الصلاة والسلام- عندما رأى جبريل -عليه السلام- مرَّتين في صورته الحقيقيَّة التي خلقه الله -تعالى- عليها.
يُعرف الإيمان بالرُّسل بأنّه الإيمان بأنّ الله -تعالى- أرسل رُسلاً للأُمم كافَّةً، ولم تخلُ أُمَّةٌ منهم، قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، كما يتضمَّن الإيمان بالرُّسل الإيمان بهم جميعاً، وبأسماء الذين سمَّاهم الله -تعالى- منهم لنا في كتابه العظيم، والإيمان بأنّهم مُؤيَّدون بالمُعجزات، بالإضافة أيضاً إلى الإيمان بأنّ منهم من كلَّمه الله مُباشرةً كسيِّدنا موسى -عليه السلام-، ومنهم من أرسل له الوحي من السَّماء عن طريق الملائكة، وبعضُهُم أوحى الله إليه عن طريق الإلهام، ونبيُّنا محمَّدٌ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قد أوحى الله إليه بهذه الطُّرق جميعها.
لقد أرسل الله -تعالى- الرُّسل مُبشِّرين ومُنذرين؛ لإخراج الناس من الظُّلمات إلى النور، ولإبعادهم عن الشِّرك والوثنيّة، ولكي تتطهَّر المجتمعات من الفساد، ويجب الإيمان بهؤلاء الأنبياء والرُّسل جميعاً، ومن كفر بواحدٍ منهم فقد كفر بالله -تعالى- وبجميع الرُّسل، قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً* أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا* وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا). وقد فضَّل الله -تعالى- بعض هؤلاء الرُّسل على بعضٍ، وأفضل الأنبياء والمرسلين هم أولي العزم، والنَّبيُّ مُحمَّدٌ -عليه الصلاة والسلام- أفضل أولي العزم. والإيمان بالمرسلين يكون على سبيل الإجمال، أمّا النَّبيُّ مُحمًّدٌ -عليه الصلاة والسلام- فالإيمان به يكون بشكلٍ تفصيليٍّ يقتضي اتِّباعه في الأمور كلِّها.
يُعرف الإيمان بالكُتب السَّماويَّة بأنّه الإيمان بما أنزله الله -تعالى- على أنبيائه ورُسله من الكُتب المُبيِّنة لحقيقة التَّوحيد ولحقيقة الدَّعوة إليه -عزَّ وجلَّ-، قال -تعالى-: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، ويجب الإيمان بكلِّ الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ورُسله على سبيل الإجمال، أما الكتب التي ذكرها الله في القُرآن الكريم فيجب الإيمان بها على سبيل التَّفصيل، وهي: التوراة، والإنجيل، والزَّبور، والقُرآن الكريم، ومن المعلوم بأنّ القرآن الكريم هو خاتم هذه الكُتب والمهيمن عليها وهو أفضلها، وعلى جميع العباد تصديقه واتِّباعه.
يكون الإيمان باليوم الآخر بالتَّصديق بِكُلِّ ما فيه من البعث، والحشر، ونعيم القبر وعذابه، والميزان، والصراط، والجنَّة والنَّار، وغير ذلك من أحداثه، كما يشمل الإيمان باليوم الآخر التَّصديق بكُلِّ الأمور الغيبيَّة التي تكون بعد الموت؛ كحياة البرزخ، والعرض على الله -تعالى-، والحساب، والصُّحف، وغيرها، كما يشمل أيضاً ما يكون قبل الموت، كعلامات الساعة، وما يكون بعده، وبِكُلِّ ما أخبر به الله -تعالى- ورسوله -صلَّى الله عليه وسلَّم- من الأحداث التي فيه.
ويكون الإيمان بالقضاء والقدر من خلال الإيمان بأنّ الله -تعالى- يعلم ما كان ويعلم ما سيكون، ويعلمُ أحوال وأعمال وأرزاق وآجال العباد كلِّهم، وقدَّر كلَّ شيءٍ بتقديره، فهو -تبارك وتعالى- بكلِّ شيءٍ عليمٌ وبكلِّ شيءٍ محيطٌ، قال -تعالى-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، وأنّه -عزَّ وجلَّ- خلق كُلَّ شيءٍ وقدَّره، وخلق الإنسان لطاعته، وبيَّن له طريق الخير وطريق الشَّر وما يترتَّب على اتِّباعِ أيِّ طريقٍ منهُما، ووهب له الإرادة والقدرة والمشيئة التي من خلالها يتمكَّن من فعل الخير أو الشَّرِّ باختياره. والله -تعالى- إذا أراد شيئاً فقط يقول له: كُن، فيكون، قال -تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
توجد العديد من الأسباب التي تُؤدي إلى زيادة الإيمان وتنميته، ومنها ما يأتي: