اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
من مقدمة الكتاب
بين يدي الكتاب بقلم مترجم الكتاب الأستاذ محمد نوشاد النوري القاسمي الهندي
إن كتاب "التشبه في الإسلام" الذي فاض به قلم العالم الجليل الشيخ محمد طيب القاسمي، المعروف بـ"حكيم الإسلام" في هذه الديار، سفر جليل القيمة والفائدة، يتناول –وبكل تفصيل- موضوعا، هو من صميم العقيدة الإسلامية، ألا وهو وجوب التشبه بالصلحاء، وحرمة التشبه بالكفار والمشركين، وهو عين ما أُمِر به المؤمنُ في سورة الفاتحة، التي يرددها في كل ركعة من صلاته، حيث قال الله تعالى: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ٧﴾[سورة الفاتحة:5-7]
فالمؤمن مطالَب بالسير على طريق الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويجب أن تكون عقيدته كعقيدتهم، وعمله كعملهم، وخلقه كخلقهم، وسلوكه كسلوكهم، وظاهره كظاهرهم، وباطنه كباطنهم، لينعم الله عليه كما أنعم عليهم.
كما يجب أن لايتشبه بالمغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى والكفار والمشركين، في العقائد والأعمال والأخلاق؛ حتى لايكون نصيبه في الدنيا هو الضلال والغضب من الله، وفي الآخرة عذاب أليم لايطاق.
وهذه العقيدة قد تبدو في أول أمرها تقشفا محضًا؛ ولكنها في الحقيقة تحكي استقلالية الدين الإسلامي، وشموله لكل جانب من جوانب الحياة الإنسانية، وحرصه الشديد على أن تبقى الأمة الإسلامية أمة متميزة في عقائدها وأعمالها وسلوكها وأخلاقها وشعائرها، ولاتذوب في موجات الأفكار الشـرقية والغربية المتلاحقة؛ بل تطغى على الجميع، وتصمد في وجهها كالصخرة الصماء.
إن قيمة الكتاب الحقيقية مكمونة في أن كاتبه هو العالم الجليل الموسوعي الشخ محمد طيب القاسمي المعروف في الديار الهندية بـ "حكيم الإسلام"، وهو حفيد الإمام محمد قاسم النانوتوي( ) مجدد الدين الإسلامي ورائد الحركة التعليمية في شبه القارة الهندية، ومؤسس الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند، وقد عُرف الشيخ المؤلف في الأوساط العلمية ببعده في النظر، وعمقه في الثقافة، وجمعه بين العقل والنقل باتزان واعتدال، وسعة اطلاعه على أسرار الشـريعة ومصالحها في التشـريع والتقنين، وسلاسته في البيان، ورشاقته في العرض، وامتلاكه لناصية الأدب الأردي، وقد تجلى كل ذلك في هذا الكتاب، كما تجلى في غيره من كتب الشيخ، رحمه الله.
ركَّز الشيخ في الكتاب على تأصيل القضية دون تفريعها، وعلى تنظيرها دون تطبيقها، فلم يَحْشُ الكتابَ حشوًا بكثير من فروع التشبه بالكفار وأحكامها الشرعية؛ وإنما تناول أصل القضية، فأثبت أصالتها وضرورتها ومنطلقاتها ومقتضياتها، وعناية الكتاب والسنة النبوية بها، وحرص السلف الصالح على العمل بها عبر القرون، نعم، قد تناول من الفروع الفقهية ذات الصلة بالتشبه ما يتم به إيضاح المبدأ، وتأصيله، مع الإشارة العابرة إلى خطورة الوضع السائد المتفاقم حِيَالَ التشبه بالكفار.
وبعد التأصيل شرع الشيخ في الاستئصال، فقضى القضاءَ العلميَّ الأخيرَ على الشبهات التي أثارها ضعفاء الإيمان، وتلامذة الغرب في الهند، وعلى جميع الدلائل الواهية التي لاذوا بها، وعلى رأسهم السيد أحمد خان( ) مؤسس جامعة علي جراه- الهند، الذي أخلص الولاء للاستعمار البريطاني في الهند، وحاول بكل ما استطاع إخضاع الأمة الإسلامية الهندية للاستعمار، وسعى سعيا حثيثا للتقريب بين الإسلام والحضارة الغربية، فكتب وألَّف، ودعا وتعسف، وبما أن مبدأ التشبه بالكفار كان حجر عثرة في طريقه، فلم يدخر وسعا في الغض من شأنه وتضعيف دلائله بشبهات، هي أوهي من بيت العنكبوت، فتصدى له الشيخ، وكشف عوارها، وأظهر تفاهتها بأسلوب علمي نقدي رصين، قائم على التقييم الدقيق والعرض المحايد والدلائل القوية.
ونظرًا لأهمية الكتاب حرص مجمع حجة الإسلام التابع للجامعة الإسلامية دار العلوم وقف ديوبند على ترجمته إلى اللغة العربية، ليطلع إخواننا العرب والمعنيُون باللغة العربية في كل مكان على ما جاء في هذا الكتاب من روائع وبدائع متصلة بموضوع التشبه بالكفار، فإن الموضوع مع أصالته وعراقته لم يؤلَّف فيه كتابٌ جامعٌ مثله، يطرق أبوابه من حيث التأصيل هذا الطرق البديع، وقد آل إلى هذا العبد الحقير أمر الترجمة، فبدأت بها ثقة بالله وتوكلا عليه، مع ما عندي من بضاعة أدبية قليلة، وتشتت البال في عدد من الأشغال.
عملي في الكتاب:
• ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، وحاولت-ماوسعني- أن أجمع بين عدم الخروج في الترجمة عن مغزى الكتاب ومراميه، وبين أسلوب الكتابة العربية؛ حتى يأتي الكتاب مفهوما لدى العرب والمعنيين باللغة العربية، ولايكون مكبلا بالألفاظ والكلمات الطنانة التي تثقل فهمه على القارئ.
• تخريج الآيات والأحاديث النبوية، كان معظم النصوص فارغة عن الإحالات، فجبرت هذا الخلل بالتخريج، وتم ذلك وفق المنهج العلمي السائد المقبول.
• عزو الآثار والأقوال إلى أصحابها، وإن كان من الأقوال والآثار ما لم أعثر له على مصدر، صرحت به في الهامش.
• ترجمة موجزة للأعلام الوارد ذكرهم في صلب الكتاب، وذلك انتقاء من كتب التراجم والطبقات.
وها أنذا أقدم لقراء العربية اليوم هذا الكتاب القيم مترجَما إلى اللغة العربية، ومخرَّجَة نصوصُه وآثاره. فلله الحمد والمنة أولا وآخرا على ما وفقني للترجمة، وسهل لي من أمري، ولم يرهقني من أمري عسرا.
وأرفع أسمى معاني الشكر والتقدير إلى رئيس الجامعة فضيلة الشيخ محمد سفيان القاسمي – حفظه الله- على أنه وثق بي، واعتبرني أهلا لهذا الأمر الجلل.
كما أشكر بكل معاني الشكر أخي ورفيقي الأستاذ محمد شكيب القاسمي، الذي له نصيب أوفر في إنجاز هذا العمل؛ فإنه لولاه وتشجيعه الدائم وتوفيره لكل التسهيلات ووقوفه بجانبي فيما يعتريني من مشكلة في حياتي الشخصية والعلمية لما استطعت أن أنجز هذا العمل الضخم في هذه المدة القصيرة، فجزاه الله خيرا.
وختاما أؤكد على أن الحاجة إلى توعية الأمة المسلمة بمبدأ التشبه بالكفار قائمة؛ حيث لايخفى تهافت الأمة الإسلامية على فتات مائدة الغرب، وتطفلها على حضارتهم الزائفة، وانبهارها برقيهم وازدهارهم، المؤسَّسين على عبادة النفس وإشباع الغرائز، وهذا الكتاب يعكس مدى خطورة هذا التشبه في أسلوب علمي وعقلي، يناشد العقل والروح معًا.
واللهَ أسأل أن يتقبل بفضله هذا العمل، وينفع به الأمة الإسلامية في كل مكان، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وذخرا لمؤلف الكتاب ومترجِمه ومن ساعد في النشر والتوزيع، وما ذلك على الله بعزيز.
محمد نوشاد النوري القاسمي
أستاذ الجامعة الإسلامية دار العلوم وقف ديوبند.
24/ شعبان/ 1436ه، الموافق 12/ يونيو/ 2015م