اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
شاعر في نيويورك (بالإسبانية: Poeta en Nueva York) هو عنوان ديوان شعري للكاتب الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا الذي كتبه أثناء وجوده في جامعة كولومبيا في نيويورك في الفترة من عام 1929 حتى عام 1930، ثم خلال سفره إلى كوبا بعد ذلك. وقد نُشر هذا الديوان لأوّل مرّة عام 1940، أى بعد وفاة الشاعر بأربعة أعوام. وقد صدرت رائعة لوركا شاعر في نيويورك بالعربية كاملة وقام بترجمتها ماهر البطوطي عن الهيئة المصرية للكتاب. وتمكن المترجم ماهر البطوطي من تقديم ترجمة حية نقلت المناخات الشعرية التي رسمها لوركا في قصيدته من دون تصرف أو تزويق.
غادر لوركا إسبانيا في عام 1929 لإلقاء بعض المحاضرات في كوبا ونيويورك. ولعل سبب هذه الرّحلة هو ذريعةً لتغيير الجو والهروب من الظلم المحيط به. وقد أصيب لوركا في هذا الوقت بكآبة شديدة بسبب فشله العاطفي وشعوره بحزن عميق بسبب علاقاته الجنسية. عاش في نيويورك في الفترة من 25 يونيو 1929 إلى 4 مارس 1930، ثم غادر إلى كوبا وأقام بها قرابة الثلاثة أشهر.
وقد كان للمجتمع الأمريكي تأثير بليغ على الشاعر، الذي أحسّ منذ بداية وجوده به بنفور كبير من الرأسمالية والتصنيع في المجتمع الحديث، كما أنه شعر باشمئزاز بليغ من المعاملة التي كان يتلقاها الأقليّة السّود، لقد كان هذا الديوان صرخة مدويّة ضد الرّعب، للتنديد بالظلم والتفرقة العنصرية، ضد لانسانية المجتمع الحديث واغتراب الجنس البشري، والمناشدة ببعد إنسانى جديد تسود فيه الحرية والعدالة والحبّ والجمال. ولذلك يعد هذا الديوان واحداً من أهمّ الأعمال الشعرية وأبرزها في تاريخ هذا الفن نظراً لفلسفته المتعالية. يعد هذا الديوان نقداً شعريا مواكباً للتحولات الاقتصادية والاجتماعية بطريقة لم تشهدها البشرية من قبل، الأمر الذي يجعل هذا العمل انعكاساً تشاؤمياً عميقاً وحلقة وصل بين الموديرنيزم وعصر التكنولوجيا الحديثة.
غادر لوركا إسبانيا عام 1929 لإلقاء بعض المحاضرات في كوبا ونيويورك، وقد اتسمت حياته قبل رحيله بعدم الارتياح فقد انقطعت علاقته بالنحات إيميليو ألادرين كما ظهر أيضا خلافه مع سلفادور دالى، الذي قام بالتعاون مع المخرج لويس بونويل بتقديم الفيلم السيريالى كلب أندلسي، إشارة واضحة منه إلى المؤلف الغرناطي. وفي يناير، عام 1929، تلقى لوركا دعوة لإلقاء بعض المحاضرات في كوبا والعديد من الجامعات الأمريكية الأخرى، وفي فترة الركود الاقتصادي الشديد، عندما اشتكي اليه والديه بأن الحياة هكذا ليست على ما يرام، كتب اليهم مطمئناً: «إنني لا أريد بأي حال من الأحوال أن تكونا غاضبين علي، فهذا يؤلمنى، ليس لى ذنب بأشياء كثيرة تخصنى، فالذنب ذنب الحياة والنضالات، ذنب أزمات وصراعات أخلاقية لدي».
تُظهر هذه الكلمات صدق وإدراك لوركا لمشاعره، في حين تعكس تشاؤماً واضحاً لوضع حياته. كما انخرط لوركا في الوضع السياسى بشدة آخذاً موقفاً مناقداً لديكتاتورية بريمو دي ريفيرا وفي منتصف 1929، وقّع هو وأربعة وعشرون من الكتاب الشباب منشوراً يعبر عن سخطهم لوضع البلد ويطالب بتغيير السياسة. وقد أثارت هذه العوامل مزاجاً سيئاً لدي الشاعر الأندلسي مما أدي به إلى الاكتئاب، وهي حقيقة لم تغب عن أسرته، فقد أرسل له والده في فبراير عام 1929 بأنه يحسُن له تغيير الجو.
وقد رافق الاشتراكي فرناندو دي لوس ريوس الشاعر لوركا في رحلته إلى القارة الجديدة لإلقاء محاضرة في جامعة كولومبيا، وكذلك ابنة أخيه ريتا ماريا ترويانو دي لوس ريوس والتي كانت ستلقى دروساً لتعليم اللغة الإسبانية في مدرسة في هرفوردشير. وفي 10 يونيو عام 1929 رحلوا بقطار متجه إلى باريس حيث توقفوا هناك لمدة يوم لزيارة متحف اللوفر، ثم سافروا على متن قارب من كاليه إلى دوفر وأقاموا في لندن ليومين، ثم قاموا بزيارة أوكسفورد، بعدما تركوا ريتا في هيرفورد، للانطلاق في النهاية عبر آر إم إس أوليمبيك _مثيلة سفينة تيتانيك_ والتي غادرت ساوثامبتون في 19 يونيو 1929 متجهة إلى أميركا. وقبل أن يرحل كتب لوركا إلى صديقه كارلوس مورلا لينش يوصف له شعوره بالاكتئاب والحنين إلى وطنه وأنه ندم على هذه الرحلة.
وصل لوركا إلى نيويورك (مدينة الإسمنت وناطحات السحاب) في الخامس عشر من حزيران لعام 1929، والتقى بمجموعة كبيرة من المثقفين الاسبان المقيمين هناك أمثال فِدِريكو دي أونيس، أستاذ اللغة الأسبانية بجامعة كولومبيا ومدير مجلة الدراسات الأسبانية; وأنخيل دِلْ ريو، أستاذ الأدب الاسبانى بجامعة كولومبيا; وليون فيليبي، أستاذ بجامعة كورنيل ; والرسام غابرييل غارثيا ماروتو.
أقام لوركا في مدينة الطلبة الجامعية وذلك بإيعاز من فدريكو دي أونيس للتسجيل في دروس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها. وكان الانطباع الأول لديه ايجابياً فقد أبدي حماسا شديداً أمام مشاهد نيويورك المذهلة، وناطحات السحاب، والحياة الصاخبة، وطٌرٌق مانهاتن، وأضواء برودواى (من أشهر الشوارع في مانهاتن). واظب لوركا على دروس اللغة الإنجليزية بدأب، ولكنه لم يحقق تقدما ملحوظاً ووصل إلى مستوى ضئيل في اللغة. فصرف سحابة وقته إلى الاهتمام بالمدينة وإقامة حياة اجتماعية بها، وحضور العديد من الفعاليات والعروض بصحبة أصدقائه ومعارفه. قضى معظم وقته في المعهد الأسباني بجامعة كولومبيا، حيث تعقد المحاضرات وتقام الأمسيات الأدبية والموسيقة، وحيث يشعر في هذا المكان بأنه أكثر قرباً إلى وطنه الحنون.
وبعد بضعة أسابيع، زار لوركا هارلم حيث كان يتردد هو وأصدقائه إلى نادي الجاز -سمولز بارادايز-(الجنة الصغيرة)، مما أتاح له الاتصال بمن يعانون من العنصرية الأمريكية ورؤية الجانب المرير المظلم الذي يعيش فيه المجتمع الأمريكي. لقد كان متعاطفاً مع الأقلية العرقية كالغجر والسود واليهود والشعوب المضطهدة والمهمشة من قبل عِلية المجتمع، أفنى لوركا جهوده للتحدث من خلال قصائدة في هذا الديوان باسم الفقراء والمنبوذين. وبهذا رأى الشاعر الجانب السلبى للعاصمة الأمريكية، ولانسانيتها، والاستخدام المفرط للماكينة، وبرودتها وماديتها وكل ما يناقض ما هو حيوي وطبيعي الذي طالما شعر به الكاتب. كما تجدر الإشارة إلى أن لوركا وصل إلى الولايات المتحدة قبل انهيار بورصة وول ستريت (1929) مما أدي إلى حدوث ركود اقتصادي بالبلاد وبؤس اجتماعي شديد. أعرب لوركا عن انطباعه حيال المدينة في إحدي محادثاته مع لويس منديز دومينغيز عام 1933 : « إنها رهبة البرودة والقسوة...، مشاهد الانتحار، ومصابى الهستيريا، وحالات الإغماء، شعور مروع ولكن دون عظمة، لا يمكن لأحد أن يتخيل شعور الوحدة الذي ينتاب رجل اسباني هناك بل أى رجل من الجنوب ». شرع لوركا في كتابة ديوانه شاعر في نيويورك، والذي يعكس فيه بحميمية شديدة حالته المزاجية وحزنه ودوافعه الجنسية ومرارة حبه الضائع والحنين إلى الطفولة والذكريات المنسية. لقد كُتب هذا الديوان بأسلوب سريالي وبتأثير والت ويتمان وتوماس ستيرنز إليوت.
وفي إحدي رسائله إلى والديه، وصف لوركا نشأة هذا الديوان :«إنني أكتب ديواناً شعرياً أتحدث فيه عن نيويورك والذي بقوته سيحدث تأثيراً هائلاً على الناس. أعتقد أن كل ما أمتلك أصبح شاحباً بجانب هذه الأشياء السمفونية كالضجيج والتعقيد بنيويورك».
أنهى لوركا دورة اللغة الإنجليزية في 16 أغسطس 1929، على الرغم من أنه لم يتقدم للاختبارات. ثم غادر للإقامة في ولاية فيرمونت بدعوة من صديقه فيليب كامينغز، الشاعر الشاب الأمريكي الذي كان قد أمضى وقتا في غرناطة، حيث التقى بلوركا. قضى فترة في فيرمونت تمتع فيه بطبيعتها الجبلية، وغاباتها، وبحيراتها، استأجر كامينغز كوخ على ضفاف بحيرة عدن حيث استطاعوا هناك ممارسة السير لمسافات طويلة، وقاموا بترجمة ديوان أغانى، الذي نظمه لوركا في 1927، إلى اللغة الإنجليزية. إلا أن بداية الخريف وهطول المطر بكثرة أدى إلى إساءة مزاج الشاعر ومن ثم عودته إلى نيويورك في 29 أغسطس للإقامة مع أنخيل ديل ريو وزوجته أميليا في كوخ في بوشنيل فيل وهي قرية صغيرة بمدينة شانداكين بنيويورك، وفي النهاية سافر في 18 سبتمبر إلى نيوبورج وهي منطقة يقطن بها فدريكو دي أونيس ويمتلك منزل ريفي، أقام به لوركا بضعة أيام أخرى.
عاد إلى نيويورك في 21 سبتمبر 1929 وأقام بمدينة الطلبة جون جاي هول التابعة لجامعة كولومبيا. كان لا يزال مكتئباً وهذا يتضح من كلماته إلى رفائيل مارتينيث عندما أرسل له قصيدته الطفولة والموت في 7 أكتوبر : " هذ لكي يكون لديك علم بحالتي المزاجية ". وقد تزامن هذا مع انهيار سوق اللأسهم وشهد هذا الانهيار العديد من مشاهد الزعر والهستيريا في وول ستريت، كما شهد أيضا حالة انتحار، مما أدي إلى إلى تعزيز مناهضته للرأسمالية.
وفي نيويورك، كتب لوركا، بالإضافة إلى الديوان المستوحى من هذه المدينة، سناريو(رحلة إلى القمر ) بأسلوب سريالي ليكون محاكاة لكلب أندلسي لبونيويل ودالى، ويحكي هذا العمل قصة حب مستحيلة، كما يعد القمر رمزا للموت. وبانتهاء عيد الكريسماس، غادر لوركا جون جاى هول وأقام في مدينة طلبة انترناشونال هاوس. ألقى أولى محاضراته في كلية فاسار في 21 يناير 1930، كما تعرض للحديث عن التهويدات التي تحدث عنها سالفا في مدينة الطلبة بمدريد عام 1928. تم تكريم لوركا في المعهد الأسباني عشية مغادرته إلى كوبا، في 10 فبراير، حيث ألقى محاضرته الخيال والإلهام، والتهرب، وتحدث عن الشعر بمصطلحات قريبة إلى السريالية ووصف السريالية بأنها "ظاهرة شعرية نقية" وقال :<<والآن لا مصطلحات، ولا حدود، ولا قوانين تفسيرية، يا لروعة الحرية!>>.
غادر غارثيا لوركا نيويورك يوم 4 مارس 1930،وسافر عبر القطار من ساحل أمريكا الشمالية الشرقي إلى ميامي، ومن هناك أبحر إلى كوبا بدعوة من المعهد الأسباني الكوبي الثقافي برئاسة الاجتماعي فرناندو أورتيس لإلقاء بعض المحاضرات. مكث ثلاثة أشهر في الكاريبى، والحق أنها كانت بلا شك إقامة أكثر متعة للشاعر الأندلسي من التي قضاها في مدينة ناطحات السحاب، سواء من ناحية المناخ أم اللغة أم طابع السكان هناك. كتب إلى والديه قائلاً: «ولكن هافان أعجوبة،سواء القديمة أم الحديثة،فهي مزيج من ملقة وقادش،ولكنها أكثر حيوية وراحة نظراً لمناطقها الاستوائية،والحياة بالمدينة تتميز بالمداعبة واللين والاحساس ومليئة بسحر اسباني خالص بل جدير أن نقول أندلسي».
أقام لوركا في فندق لاأونيون حيث أمضى هناك إقامة هانئة أكثر منها في نيويورك بل وحتى اسبانيا، كما تبين خلال هذه الإقامة شذوذ لوركا الجنسى بأكثر حرية. حاز لوركا على إعجاب شديد في كوبا، كما حقق ديوان أغانٍ غجرية نجاحاً كبيراً، فقد بدأ كتابته في 1924، كما شهدت هذه المجموعة الشعرية شهرة عالمية واعتبرها بعض النقاد أهم أشعار لوركا، وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة واعتبرها الشعب الإسبانى عودة من الشاعر إلى التراث القومي استلهم فيها ملامح أساسية من شخصية الشعب الإسباني، ومن الروح الإسبانية وهو ما أجمع عليه النقاد في قراءاتهم لتلك المجموعة الشعرية. ألقى شاعرنا خمس محاضرات في المسرح الرئيسي لكوميديا هافانا: آلية الشعر (9 مارس)؛ جنة مغلقة للكثير ومفتوحة للقليل. شاعر جونجرا من القرن السابع عشر (حول بيدرو سوتو دي روخاس، 12 مارس)؛ والتهويدات الإسبانية (16 مارس)؛ والصورة الشعرية في لويس دي جونجورا (19 مارس)؛ وفن الغناء من الأعماق (6 أبريل). وقد حققت هذه المحاضرات نجاحاً كبيراً، حتى أن لوركا قد حصل لأول مرة في حياته على مبلغ كبير من المال.
في أواخر نيسان 1930، أمضى بضعة أيام في سانتياغو دي كوبا، حيث أعاد إلقاء محاضرته آلية الشعر في لا سكويلا نورمال بارا مايستروس (المدرسة العادية للمعلمين)، وأثناء إقامته في الجزيرة كتب قصيدة واحدة ضمها إلى ديوان شاعر في نيويورك، إنهم ينتمون إلى السود في كوبا. كما كتب عمله المسرحى الجمهور في كوبا، حيث حاول فيه كسر الحواجز بين المشهد المسرحى والواقع، وبين الممثلين والمشاهدين، كما يتميز طابع المسرحية القلق والحزين بالتعارض مع السعادة التي كان يشعر بها لوركا غرار إقامته في الجزيرة. غادر كوبا عائداً إلى إسبانيا في 12 يونيو 1930.
المخطوط الأوّل والأصلي الوحيد لهذا الديوان يتألّف من 96 صفحة مكتوبة على الآلة الراقنة، بالإضافة إلى 26 صفحة مكتوبة بخطّ اليد، لقد هاجر هذا المخطوط مع الأديب والناشر الإسباني خوسّيه بيرغامين (الذي كان لوركا قد سلّمه إيّاه لنشره قبل وفاته في عام 1936 بقليل مع العديد من الاضافات والتصحيح والحذف لأجزاء في الديوان) إلى فرنسا في المقام الأوّل، ثمّ في مرحلة أخرى إلى المكسيك، (حيث نشرت الطبعة الأولى منه عام 1940 في كل من المكسيك(بمطبعة سينكا) والولايات المتحدة الأمريكية(بمطبعة نورتون، وقد ترجمه آنذاك إلى اللغة الإنكليزية رولف هومفريس)ولكن مع بعض الفروق الهامة نظراً للتغييرات التي أجراها بيرغامين، والذي أبدي احتراماً شديداً لإشارات صديقه لوركا فيما يخص المخطوط. وبعد عدة سنوات، نشر الشاعر أوجستين ميلاريس في مجلة بالانس الشعرية قصيدة غير معروفة ولم تنشر في طبعات الديوان من قبل، عنوانها صلبة، والتي تم الحصول عليها في عام 2007 من قبل وزارة الثقافة في اسبانيا.
ظلّ المخطوط في النّصف الثاني من القرن العشرين متخفيّا ينتقل من يد إلى يد حتى وقع عام 1999 في يد الممثلة الإسبانية مانويلا ساهافيدرا ومورينو دي الداما، إلى أن أمكن لمؤسسة غارثيا لوركا اقتنائه في عام 2003. ويتم حالياً الإعداد لطبعة جديدة بناءً على النسخ الأصلية التي تم استعادتها، بحيث تكون الطبعة النهائية لهذا العمل.
كان لوركا يعد ديوان شاعر في نيويورك كواحد من أفضل إنجازاته في مجال الشعر، ويدل على هذا الاهتمام الخاص الذي أولاه الشاعر لهذا الديوان، فقد عنى بأدق التفاصيل، بداية من الهيكل الداخلى للديوان وحتى الرسوم التوضيحيحة التي ضمنها إياه. وفيما بين عامي 1930 و1936 قام بعدة محاولات لنشر هذا الديوان الا أنها توقفت نظراً لموته المفاجئ. وجدير بالذكر أنه خلال تلك السنوات ألقى العديد من المحاضرات حول ديوان شاعر في نيويورك.
لم يكن هيكل ديوان شاعر في نيويورك واضحاً بالكامل، وهذا يرجع إلى عدم تحديد لوركا له قبل موته، فقد كان هناك تفاوتاً في تخصيص وتوزيع القصائد. وقد عثر إوتيميو مارتن عام 1927، بجانب القائمة التقليدية التي أعطاها لوركا لبرغامين، على قائمة ثانية في الجزء الخلفي من مخطوط الطفل ستانتون تتضمن مشروع لوركا لكتابة ديوان بعنوان أرض وقمر، وتحتوي على سبعة عشر قصائد: عشرة منها تتعلق بديوان شاعر في نيويورك (السماء الحية، وليلة الجوف، واغتيال، والبانوراما العمياء لنيويورك، والقمر وبانوراما الحشرات، والموت، والبقرة، والخراب، )؛ وثلاثة أدرجت في كتاب لوركا السابق الذي يحمل عنوان ديوان التماريت (غنائية الحمام، التي أصبحت في ما بعد تحمل اسم قصيدة الحمائم الحالكة، ومُرّ ثم أصبحت تحمل عنوان الغزالة ذات الجذر المُرّ، والثور والياسمين التي أصبحت فيما بعد تحمل عنوان النوم في الهواء الطلق)؛ وأخيرا أربع قصائد مفردة لا تنتمى إلى أى ديوان (أرض وقمر، وأوميغا، وأنشودة الموت الصغير، وقصيدة صغيرة غير محدودة). ولعل مشروع لوركا الأول هو تفريغ خبرته الأمريكية في عمليين أدبيين هما: شاعر في نيويورك وأرض وقمر، ولكن يبدو أنه أعاد النظر في هذا الموضوع حيث ضمن العديد من القصائد إلى ديوان التماريت. وفي جميع الأحوال لم يكن شيئا واضحا، فالعديد من طبعات شاعر في نيويورك تضمنت الأربع قصائد المفردة، إلا أن الغالبية اختارت نسخة برغامين. وتقوم دار نشر جالاكسيا غوتنبرغ الآن ولأول مرة بتحرير نسخة جديدة مماثلة لما أُخذ عن لوركا متبعة بذلك المخطوط الذي أولاه إلى برغامين.
كان لديوان شاعر في نيويورك دوراً قوياً في تطور شعر لوركا، الذي بدأ بديوان أغان في التراث الغنائى الكلاسيكي ذو الطابع الشعبى القوى والقافية القائمة على الغناء والرومانسية. تميزت أعماله التالية، قصيدة الغناء من الأعماق وأغان غجرية، بالأسلوب الحاد وبقاء العناصر الشعبية بها، الا أن نظم الشعر التقليدي قد تلاشى وحل محله خيال الشاعر الإبداعى. تأثر لوركا بحركة جيل 27، مثله مثل باقى شعراء هذه الحركة(رافيل البرتي، خورخي غيين، داماسو ألونسو، خيراردو دييغو، بيدرو ساليناس، بيثنتي أليكساندري، لويس ثيرنودا، الخ)، بداية من الشعر الشعبى وكتاب العصر الذهبى الاسبانى(لوبي دي فيغا، غونغورا، كيفيدو)مرورا بالشاعر جوستافو أدولفو بيكر وروبن داريو وأنطونيو ماتشادو وخوان رامون خيمينيث، كما تأثر أيضا بالسريالية، وهي اتجاه شائع في ذلك الوقت. هؤلاء الكتاب يبحثون عن التجديد في كل شيء، في الأسلوب، ويبغون الوصول إلى "الشعر النقي" من خلال لغة مجازية، كما اهتمو أيضا بالتجديد في نظم الشعر فأصبح أكثر بساطة من شعر سابقيهم، خاصة الموديرنيزم، ولجأوا بذلك تارة إلى الأشكال التقليدية وتارة إلى استخدام بيت الشعر الحر.
تُعد حركة السريالية هي أحد التأثيرات الأساسية الملحوظة في ديوان شاعر في نيويورك: فتهدف هذه الحركة إلى تجديد الأدب بشكل جزريّ وتعزيز الحرية الخلاقة للكاتب من خلال التعبير الحر للاوعي، والتخلى عن أى نوع من أنواع القناعات سواء الأخلاقية أو الاجتماعية أو الفنية. كما تهدف إلى نقل الواقع عن طريق الوصول إلى مستوى أعلى من الوعى، إلى ما فوق الواقع، ومن هنا يأتى اسم هذه الحركة التي يستطيع الكاتب من خلالها التعبير عن رؤيته للعالم والحياة بدون إطناب. ويعبرون عن هذا كله عن طريق ثورة عميقة للغة فقدت سماتها العقلانية والموضوعية لتكون بمثابة وسيلة للتعبير الحر عن فكر الكاتب والتي تختلط بها الأهداف، والمفاهيم، والعواطف، والمشاعر المعبر عنها بشكل عفوى وبلغة حالمة وذاتية وغير عقلانية ومجازية.وهكذا، فبدلا من القراءة السردية والوظيفية، يهدفون إلى جعل القارئ يشعر أكثر مما يفكر ويدرك أكثر مما يفهم، ويتلقى انطباعات تثير لديه ردود فعل عاطفية.
يعبر عمل غارثيا لوركا، بالرغم من الحيوية التي يعكسها لوركا في أعماله، عن حزن وجودي عميق، وإحباط بسبب حالته الجنسية والسلوكيات الأخلاقية الصارمة السائدة في هذا العصر، وكذلك مطالبة اجتماعية لحقوق الفقراء والمحرومين، والبؤس وقمع البشر. هذا بالإضافة إلى احساس بالعذاب والمصير المأساوي وروح الرثاء التي تسود العمل والتي تنذر بنهاية لوركا المأساوية.
يعتبر ديوان شاعر في نيويورك هو معارضة بين الطبيعة والحضارة، اللتان يواجههما الشاعر بصورة جدلية لكي يندد بلاإنسانية المجتمع الحديث. يطالب لوركا بالحرية والعودة إلى الطبيعة في مواجهة اغتراب عصر الصناعة، والتنديد بحق المنبوذين والمهمشين والمقهورين الذين يعانون القمع والظلم والتفرقة العنصرية. ويعبر عن هذا كله بلغة رمزية، يستخدم فيها(الاسم) بكثرة سواء في وصف الأشياء أم في إثارة المشاعر، أما الصفات فلم تكن وصفية وعادة ما تأتى في مواضع غير منطقية، في صور شعرية عجيبة ذات أصل سريالى. تكثر العبارات الظرفية أما الأفعال فتعبر عن الحيوية وووقوع الحدث، وعادة ما تكون اللغة مجازية ذات تعبير حسى أكثر منه أيدلوجى. ويبرز استخدام الاستعارة في هذا الديوان، حيث تتميز بنقل شعور الحيوية، والتحول، والتناقض بين الواقع والخيال إلى القارئ، هذا بالإضافة إلى الجانب الفوضوى في المؤَلَف والإحساس المدهش لوصفه.
يركز هذا الديوان على موضوعين رئيسيين هما : المدينة والشاعر. ففي عام 1931 في مقابلة لرودولفو خيل بينوميه مع الجريدة الأدبية، يصف لوركا المدينة قائلاً " إنها تفسير شخصى وتجريد غير شخصى بلا زمان ولا مكان في هذه المدينة العالم، إنها رمز مثير للشفقة: المعاناة". يحتوى لفظ المدينة على معنى مجازى مشار إليه في مواقعها الجغرافية، ولكنها أيضا تعد رمزاً للمدينة كمفهوم تجريدي، ككيان تنفيرى للإنسان. وبهذا تتحول نيويورك إلى وسيلة يستخدمها الشاعر لإخراج مشاعره، ويعكس في العمل نظرة تعبر عن مفهومه للحياة والطبيعة والإنسان، ويركز بشدة على معانى الحب والوحدة والموت.
يجدر بنا القول بأن هدف الكتاب ليس وصف للمدينة، بل للوركا نفسه، ولمشاعره الخاصة وهذا يظهر من خلال استخدامه المتكرر للضمير "أنا". ويدعى الشاعر كما لو أنه لم يمارس حياته الجنسية وحريته في الحب من قبل، وهذا يظهر من خلال بعض أبيات شعر من قصيدة تضعيفة شعرية لبحيرة عدن :" غير أنني لا أريد دنيا ولا حلما أيها الصوت الإلهي.. بل أريد حريتي.. أريد حبي الإنساني.. في أشد جوانب النسمة المهجورة ظلمة". كما يعبر عن ذلك بأصوات أو وجهات نظر شعرية متعددة: إحداهما"مريرة" والتي يعبر بها عن حالة اكتئابه بسبب خيبة أمله في الحب; والأخرى "محررة" ويعبر بها عن شغفه لأن يعيش حياة الحب التي يهواها; ووجهة نظر "تضامنية" ويعرب فيها عن أسفه لمعاناة الفقراء والمهمشين من طبقات المنبوذين.
يُنقَل هذا التعبير الجديد للشاعر من خلال لغة جديدة، يتخلى فيها عن الأساليب الشعبية التقليدية والصور الأندلسية المتكررة ليبحث عن أشكال جديدة للتعبير من خلال حركة السريالية التي على الرغم من تجديدها تعتنى بما هو أصيل وغير تقليدي. وقد تحدث الكاتب عن هذا التجديد بنفسه عام 1931 فقال:" إنني أرى الشعر ومواضيعه الآن في لعبة جديد، غنائية أكثر منها درامية، تغمر المواضيع بالعاطفة، ولكنها عاطفة باردة وحادة وموضوعية بحتة". يلجأ الشاعر في هذا الديوان إلى استخدام المجاز بكثرة وهذا أمر رائع وغير منطقى بل ومفكك، مع استخدام روابط غير عادية للعناصر الحية وغير الحية. كما تتسم كتاباته كذلك بالطابع المرجعى والتفصيلى الذي يتعارض بشكل كلى مع نهج السرياليين الفرنسيين في الكتابة. تنعكس لامنطقية وتناقض صوره في البنية الطبيعية الداخلية للقصائد وهذا بدوره يشكل تجانساً واضحاً في أجزائه.
كانت أفكار لوركا حول النسخة المطبوعة من شاعر في نيويورك هي تضمينة سلسلة من الصور التي توصف محتوى القصائد، وهذا ما فعله في النسخة الأصلية التي أعطاها لبرغامين والتي تضمنت قائمة بها 18 رسمة توضيحية، ولكنه عندما وصف هذه الرسوم لم يشر إلى موضع كل واحدة في النص ولهذا لم تدرج في النسخ الأصلية. وفيما يلى قائمة بهذه الرسوم التوضيحية:
نظراً لحالة المخطوط الأصلي والتلاعب الذي حدث فيه بعد ذلك، فإنه يصعب معرفة إلى أى مدي يتوافق الهيكل الحالي للكتاب مع نية لوركا، وعلى أية حال فقد نظمت الخمسة وثلاثين قصيدة في عشرة أقسام:
تحتوي على قول مقتبس للويس ثيرنودا من قصيدته أغنية الغرب من كتاب نهر وحب "زينة الحب...الغضب، وزينة النسيان...الحب". ولعل قصائد هذه المجموعة هي الأكثر حميمية في هذا العمل، فهناك قصائد تتصدي لمرارة حياته بالمدينة مقارنة بالطفولة السعيدة التي عاشها (1910 (فاصل موسيقى))، وقصيدة (طفولتك في مينتو) تعرب عن خيبة أمله في الحب وهو ما يتضح من مقولة ثيرنودا، والتي يمر الحب فيها بمراحل بداية من الغضب مروراً بالهجر ثم النسيان.
يُوجَه هذا القسم إلى أنخيل دل ريو، ويظهر فيه تضامن لوركا مع الأمريكان السود، حيث يندد بوضعهم الاجتماعي وعرقهم مشدداً على حيوية عرقهم ونقائه الأصلي.
نمط السود وفردوسهم: يوجد نسختين للمخطوط في مؤسسة غارثيا لوركا بدون تاريخ. يظهر في هذه القصيدة انقسام الشعب الأفروأمريكي، ما يكرهونه وما يحبونه، ما يمتلكون وما يتمنون، الجنة التي يتوقون إليها ولن يعثرو عليها في الأرض التي ذهب إليها أسلافهم، يؤتبط موضوع الشوق إلى الفردوس المفقود بقصائد أخرى يتوق فيها إلى الطفولة الغائبة، والبرائة والحب الضائعين.
هذا القسم موجه إلى رافائيل رودريغيز رابون، يشتمل على مقولة بيثنتي أليكساندري من قصيدته الحياة التي تتحدث عن الدمار والموت " يقول طائر معلق في صدره ورقة أن وقت القُبُلات لم يحن بعد". يعتبر هذا القسم هو الأكثر وصفاً للمدينة الأمريكية، حيث يعرب عن الانطباع الذي تركته حياة المدينة الكبرى في نفس الشاعر، وميكانيكية المجتمع الاقتصادي والاقتصاد الرأسمالي اللاإنساني، إلا أن مقولة أليكساندرى تشير من جديد إلى مزاج الشاعر والحسرة التي تغمره بسبب شعوره بالوحدة والأسى.
وُجِهَت قصائد هذا القسم إلى إدواردو أوغارتى، وقد كُتِبَت قصائد هذا القسم أثناء إقامة لوركا في ولاية فيرمونت، يَعُود الشاعر فيها إلى سفح الجبل الأكثر حميمة بالنسبة له، حيث يَصْحَب اكتئابه في هذا الوقت الوحدة والطقس الجبل العاصف.
هذا القسم مُوَجَه لكونشا منديز ومانويل التولاغيري، وقد كُتِبَ أثناء إقامته في الريف في صيف عام 1929، تُشيرُ قصائد هذا القسم إلى الأحداث والأشخاص الذين تعرف عليهم لوركا خلال عطلاته، ولكن مع بعض التغيير للواقع: تَعَرّفَ على طفلة، ابنة مزارع كتسكيلس (بوشنل سفيه)، إلا أنها لم تمت غرقاً; وقد وُجِدَ الطفل سانتون ولم يُصاب بالسرطان الذي عانى منه والده.
هذا القسم مُوَجَّه لرافائيل سانشيز فنتورا. يُماثِل في هذا القسم بين الموت والوحدة، ويُرَكِّز على عواقب الوحدة، خلافا لما ورد في قسم قصائد العزلة في جامعة كولومبيا، حيث يركز على الأصول لا على النتائج.
قام لوركا بإهداء هذا القسم إلى أنطونيو هيرنانديز سوريانو، وقد كُتِبَ بعد عودته من إجازاته في نيويورك، ومن جديد يُنَدد لوركا على عدم تضامن النظام الرأسمالى- موقد جَسَّده في هذه القصيدة بوول ستريت-، وهو إلى جانب الموت، موضوعان يتم طرحهما باستمرار خلال الكتاب بأكمله.