اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وفي مآسيه الأخرى يبالغ سينيكا في إظهار نتائج تحكم الانفعال في الإنسان، مما يولّد الجرائم الدموية التي تتجاوز الخيال في عنفها. وهنا أيضاً يركز الكاتب على إبراز الأفعال العنيفة على مسرح الحدث عياناً، الأمر الذي كانت المأساة اليونانية تتجنبه كلياً، وتعوض عنه بإيراد الحدث الفظيع على لسان راوٍ كفعلٍ ماض ٍ نستمع إلى تفاصيله ونتعظ بعواقبه. وعلى الرغم من أن مسرحيات سينيكا لم يقصد بها العرض، إلاّ أن تركيز الكاتب على بناء الأحداث العنيفة في صلب المشهد بصرياً، يدل على قناعته بأن لمشاهدة الفعل مفعولاً رادعاً يضاف إلى تأثير الكلام المسموع. وهو يرى أن المرأة أكثر انقياداً للانفعال من الرجل.
بعد جدل استمر قروناً بين البحاثة واللغويين حول أحقية نسبة مسرحية «أوكتافيا» Octavia إلى سينيكا، أثبت الباحث الألماني شميت J.Schmidt في دراسة مقارنة مستفيضة، بما لا يدع مجالاً للشك أن المسرحية من يراع سينيكا نفسه، وأن تاريخ تأليفها يعود إلى 62ـ 64م، وأنها تقدم تفسيراً وتسويغاً لانسحاب المستشار الأول سينيكا من الحياة العامة والشهرة ورفاهية البلاط. وتتمتع هذه المسرحية بأهمية خاصة، لأنها النموذج الوحيد المتبقي من المسرحية الرومانية ذات الموضوع التاريخي fabula praetexta، إذ إن أحداثها ووقائعها تجري في زمن القيصر نيرون. وفيها يظهر سينيكا نفسه ناطقاً باسم مجلس الشيوخ، معارضاً طلاق نيرون من أوكتافيا وزواجه من خليلته بوبَّيا Poppaea الحاملة منه. وبعد أن يعدم نيرون أوكتافيا في منفاها، يظهر له شبح أمه أغربينا التي قتلها بيده، ليتنبأ له بنهاية وخيمة، لأن أفعاله قد دمرت الأسرة الحاكمة.
تكتسب مسرحيات سينيكا أهميتها من كونها، تاريخياً، جسراً بين الأصول الإغريقية الملحمية والأسطورية والمسرحية التي اقتبست عنها وبين مسرح عصر النهضة وما تلاه من حركات مسرحية في أوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر تقريباً. ومهما اختلف النقاد حول قيمتها الدرامية، فلا شك في أنها مارست تأثيراً عميقاًً في المسرح العالمي، لكأنها الأب الروحي لما كتب من مآسٍ على مدى عصر النهضة في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وإنكلترا وألمانيا، فهي من ثم أساس كثير من حسناتها وسيئاتها.
يقول الشاعر والناقد إليوت إن سينيكا قد صاحَبَ «أعمق وأوسع تأثير على عقلية العصر الإليزابيثي بصفة عامة، وعلى شكل ومضمون التراجيديا في ذلك العصر بصفة خاصة. إذ لم يلقَ أي كاتب لاتيني أو حتى إغريقي تقديراً كالذي لاقاه سينيكا آنذاك. فلبست الفلسفة الرواقية في تراجيدياته رداء أكثر إغراء لرجل عصر النهضة من أي وقت سابق أو لاحق. فنهل منها أدباء وشعراء العصر الإليزابيثي قدر طاقاتهم، حتى إنه يمكن القول بأن نصف الأشياء المألوفة لديهم، وهو النصف الأكثر شيوعاً، يرجع في أصوله إلى كتابات سينيكا النثرية وتراجيدياته الشعرية. وهذا يتطابق مع الحقيقة المعروفة بأن النهضة الأوربية لاتينية الطابع، أكثر منها إغريقية.
ويتفق النقاد أيضاً على أن تقسيم المسرحية الأوربية إبان عصر النهضة إلى خمسة فصول يدين بالفضل إلى تطبيقات سينيكا الناجحة في مسرحياته لما ابتدعه الكاتب اللاتيني فارو، ولما نظَّر له وقنْونه هوراتيوس في «فن الشعر» Ars Poetica. وأنصع تأثير لسينيكا في مسرح عصر النهضة وما تلاه هو شيوع ما عرف بـ «مسرح الدم» أو «تراجيديا الانتقام» Revenge Tragedy، لا على مستوى المشاهد العنيفة فحسب، بل على صعيد الألفاظ والتشبيهات والصور الشعرية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مسرحية توماس كيد «المأساة الإسبانية» The Spanish Tragedy، أو شخصية الشبح في «هاملت» والتصفيات الجسدية المتتالية في تايُتس اندرونيكوس Titus Andronicus لشكسبير، إلى جانب كثير من المشاهد المأخوذة شبه حرفياً من مسرحيات سينيكا. وقد اعتمد على تقاليده المسرحية كل من راسين وكورني في مآسيهم فيما عُرف بالمرحلة الاتباعية (الكلاسيكية) الفرنسية.