اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
سورة المرسلات هي سورة مكية، من المفصل، آياتها 50، وترتيبها في المصحف 77، وهي آخر سورة في الجزء التاسع والعشرين، بدأت بأسلوب قسم وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ، والمرسلات هي رياح العذاب، نزلت بعد سورة الهمزة.
تتوالى مقاطع السورة وفواصلها قصيرة سريعة عنيفة، متعددة القوافي . كل مقطع بقافية . ويعود السياق أحياناً إلى بعض القوافي مرة بعد مرة . ويتلقى الحس هذه المقاطع والفواصل والقوافي بلذعها الخاص، وعنفها الخاص . واحدة إثر واحدة . وما يكاد يفيق من إيقاع حتى يعاجله إيقاع آخر، بنفس العنف وبنفس الشدة .
ومنذ بداية السورة والجو عاصف ثائر بمشهد الرياح أو الملائكة : ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا*إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ) .. وهو افتتاح يلتئم مع جو السورة وظلها تمام الالتئام . وكل مقطع من مقاطع السورة العشرة بعد هذا المطلع، يمثل جولة أو رحلة في عالم، تتحول السورة معه إلى مساحات عريضة من التأملات والمشاعر والخواطر والتأثرات والاستجابات . أعرض بكثير جداً من مساحة العبارات والكلمات، وكأنما هذه سهام تشير إلى عالم شتى !
تقع في مشاهد يوم الفصل . وهي تصور الانقلابات الكونية الهائلة في السماء والأرض، وهي الموعد الذي تنتهي إليه الرسل بحسابها مع البشر : ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لأَيِّ يَوْمٍ أُجلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )
والجولة الثانية مع مصارع الغابرين، وما تشير إليه من سنن الله في المكذبين : ( أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )
والجولة الثالثة مع النشأة الأولى وما توحي به من تقدير وتدبير : ( أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )
والجولة الرابعة في الأرض التي تضم أبناءها إليها أحياء وأمواتاً، وقد جهزت لهم الاستقرار والماء المحيي : (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا * وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )
والجولة الخامسة مع المكذبين وما يلقونه يوم يوم الفصل من عذاب وتأنيب : ( انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) .
والجولة السادسة والسابعة استطراد مع موقف المكذبين ومزيد من التأنيب والترذيل : ( هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ * فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )
والجولة الثامنة مع المتقين، وما أعد لهم من نعيم : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) ..
والجولة التاسعة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التأنيب : ( كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )
والجولة العاشرة خطفة سريعة مع المكذبين في موقف التكذيب : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ )
والخاتمة بعد هذه الجولات والاستعراضات والوخزات والإيقاعات : ( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ )
وفي هذه السورة جدة في مشاهد جهنم وجدة في مواجهة المكذبين في أسلوب العرض والخطاب كله . ومن ثم تبرز شخصية خاصة للسورة . حادة الملامح . لاذعة المذاق . لاهتة الإيقاع !