اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في 1945، قطن سارتر في 42 شارع بونابرت وظل هناك حتى 1962. بعد التحرير، نجح سارتر نجاحا كبيرا؛ فقد ظل لأكثر من 10 سنوات يقود الآداب الفرنسية. انتشرت أفكاره الوجودية من خلال المجلة التي أنشأها في 1945 تحت اسم "Les Temps modernes". كتب سارتر في هذه المجلة بجانب سيمون دي بوفوار وموريس ميرلو بونتي وريمون آرون وآخرون. في الافتتاح الطويل لعددها الأول، طرح سارتر تساؤلا عن مبدأ مسئولية الفرد وعن الأدب الموجه أي الذي يأخذ اتجاها واضحا. بالنسبة لسارتر، الكاتب هو شخص صاحب موقف في عهده حتى أن تظاهر بالموضوعية. طغت هذه الرؤية على جميع النقاشات الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين. اعتبرت هذه المجلة كإحدى المجلات الفرنسية الأكثر شهرة على المستوى العالمي. بذلك أنهى سارتر التقليد الفلسفي الذي يقضي بأن الكاتب دائما على الحياد كما قيل كثيرا في فرنسا الفيشية وألمانيا النازية. كانت ندوة أكتوبر 1945 الشهيرة رمز الهيمنة الثقافية للتيار الوجودي عندما حاول جمهور ضخم للدخول للقاعة الضيقة المحجوزة والمخصصة للندوة. تزاحم الناس وغادرت أفواج منهم وأصيب النساء بالإغماء وفقدان الوعي. عرض سارتر في هذه الندوة نبذة مكثفة عن فلسفته الوجودية التي تناولها بالتفصيل في كتابه "الوجودية مذهب إنساني". أراد سارتر التقرب في هذا الوقت من الماركسيين الذين يرفضون فكرة الحرية الجذرية: في نص الندوة، قام سارتر بعرض الفكرة المهيمنة على الوجودية وهي أن الإنسان لا يستطيع رفض الحرية، الحرية تميل إلى المستقبل، كل فعل حر هو مشروع، تنفيذ المشروع الفردي يعدل تنفيذ المشروعات الفردية الأخرى، الحرية هي أساس كل القيم الإنسانية، إتخاذ المواقف في اختيار الشركات تجعل الإنسان إنسانا.
كل الناس كانت تريد أن <<تكون>> وجودية و<<تعيش>> وجودية. أصبح حي Saint-Germain-des-Prés الذي يقيم به سارتر معقل الوجودية كما هو مكان للحياة الثقافية والليلية: كان يحتفل الناس بالعيد في الكهوف المدخنة ويستمعون لموسيقى الجاز ويذهبون إلى مقهى المسرح. كان الفكر الفلسفي لسارتر ظاهرة نادرة لتاريخ الفكر الفرنسي فقد لاقى صدى غير معهود من جمهور واسع للغاية. يمكن تعليل ذلك بعاملين أساسيين: أولا، أعمال سارتر متعددة الأشكال وتسمح لكل شخص إيجاد مستوى القراءة الذي يناسبه، ثانيا، الوجودية التي تنادي بالحرية الكاملة بالإضافة إلى المسؤولية الكاملة لأفعال الإنسان أمام الآخرين وأمام نفسه. أصبحت الوجودية إذن ظاهرة حقيقية مخلصة إلى حد ما لافكار سارتر ومن خلالها يعتبر الكاتب الوجودي قديما بعض الشيء.
في هذا الوقت، أكد سارتر انتمائه وموقفه من خلال مقالاته في مجلته "Les Temps modernes" : تمسك سارتر كباقي مثقفي عصره بقضية الثورة الماركسية على أوامر وتعليمات الاتحاد السوفيتي التي لم تلب مطلب الحرية. استكمل سارتر وسيمون دى بوفوار وزملاءهم البحث عن طريق آخر وهو الرفض الثنائي للرأسمالية والستالينية. لقد ساند سارتر الكاتب الأمريكي ريتشارد رايت وهو كاتب أسود البشرة وعضو في الحزب الشيوعي الأمريكي وقد نفي إلى فرنسا منذ 1947.
في مجلته "Les temps modernes"، أخذ سارتر موقفا معاديا للحرب الهندوصينية وهاجم الجولية وانتقد الإمبريالية الأمريكية. كان سارتر جريئا في استخدام الكلمات في مجلته حتى أنه وصف <<كل معارض للشيوعية بالكلب>>.
ترجم سارتر فكره إلى موقف سياسي بإنشائه لحزب سياسي جديد تحت اسم "الائتلاف الديموقراطي الثوري" (RDR). بالرغم من بعض المظاهرات الناجحة، لم يتوصل الحزب إلى أن يكون ذات فعالية كافية ليكون حزبا حقيقيا وقدم سارتر استقالته في أكتوبر 1949.
دفعت حرب كوريا وقمع مظاهرة ضد العسكر للحزب الشيوعي الفرنسي لاختيار الفريق الذي سينتمي اليه: رأى سارتر في الشيوعية الحل لمشاكل البروليتاريا. هذا ما جعله يقول <<إذا أرادت الطبقة العمالية الانشقاق عن الحزب الشيوعي الفرنسي، فلا يوجد أمامها إلا حل واحد وهو الانهدام >>.
أصبح سارتر صديقا للحزب الشيوعى بين 1952 و1956. منذ هذا الوقت، شارك في الحركة وترأس منظمة فرنسا-الاتحاد السوفييتي. أعلن سارتر ان <<في الاتحاد السوفييتي، حرية النقد كاملة>> وأصبح عضوا بالمجلس العالمي للسلام.
فصل الفكر المقرب من الشيوعية سارتر عن ألبير كامو المقربين جدا في السابق. بالنسبة لكامو، لا يجب أن تنتصر الايدولوجية الشيوعية على الجرائم الستالينية. بالنسبة لسارتر، لا يمكن استخدام هذه التصرفات كتبرير للتخلي عن الميول الثورية.
ظل هذا الإخلاص للحزب الشيوعي الفرنسي حتى خريف 1956، وهو تاريخ دهس الدبابات السوفيتية لانتفاضة بودابست. بعد إمضاءه لعريضة مثقفي اليسار والشيوعيين المحتجين، أعطى سارتر لقاء طويل لجريدة "l"Express" لاعلان استقالته الجذرية عن الحزب.
بعد ذلك، هبطت سرعة نجاح الوجودية: في ستينيات القرن العشرين، انخفض تأثير سارتر على الآداب الفرنسية والأيدلوجية الثقافية خاصة أمام البنويون مثل عالم الأجناس ليفي ستروس والفيلسوف فوكو وعالم النفس جاك لاكان. تعتبر البنيوية عدوا للوجودية: لا يوجد في البنيوية إلا مساحة ضئيلة من الحرية الإنسانية، كل شخص هو متداخل مع الهياكل التي تتعداه. في الحقيقة، سارتر كمدافع عن أولوية الوعي على اللا وعي وأولوية الحرية على الهياكل الاجتماعية لم يكلف نفسه عناء مناقشة هذا التيار الجديد: لكنه فضل تكريس جهده لتحليل القرن التاسع عشر والإنتاج الأدبي وخاصة دراسة كاتب طالما أبهره وهو جوستاف فلوبير. في ستينيات القرن العشرون، تدهورت صحة سارتر بسرعة. أحرق سارتر نفسه من خلال نشاطه الأدبي والسياسي الزائد ومن خلال استهلاكه للتبغ والكحول بكميات كبيرة. كان يوم 10 ديسمبر 1964 هو اليوم الأكثر دويا في العالم عندما رفض سارتر جائزة نوبل في الأدب لأنه يعتبر أنه لا يستحق أي شخص أن يكرم وهو على قيد الحياة.
لقد رفض أيضا وسام جوقة الشرف في 1945 وندوة في كوليج دو فرانس. كانت هذه التكريمات بالنسبة لسارتر تقييدا لحريته لأنها تجعل من الكاتب مؤسسة. ظل هذا الموقف شهيرا لأنه يوضح مزاج المثقف الذي يريد أن يكون مستقلا عن السلطة السياسية.