اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وتتمثل العناصر الثلاثة لسكان إقليم واد ريغ بداية بالحشاشنة أو الرواغة، نسبة إلى وادي ريغ، وهم سلالة من قبيلة زناته البربرية تسمى بهم الإقليم لكونهم يشكلون أغلب سكانه ثم العرب، وهم تلك الأجناس التي وفدت من مختلف الجهات خاصة الزيبان والجريد التونسي والمغرب الأقصى، إضافة إلى الذين جاءوا مع اجتياح قبيلتي هلال وسليم، منهم من تمدن، ومنهم من حافظ على حياة الترحال، وأخيراً الزنوج وهم العبيد الذين جيء بهم من أعماق أفريقيا في زمن تجارة الرق، حيث كان سوق تقرت مثل ورقلة يشكل نقطة عبور هامة في هذه التجارة. ومع تعاقب العصور التاريخية والتمازج هذه الأجناس البشرية الثلاثة نتج عنصر جديد سمي بالمولودين، وهم خليط بشري بين الرواغة والعرب والزنوج، إثر التزاوج والتصاهر فيما بينهم.ويقول الشيخ عبد الحميد قادري في كتابه أنه بطول الزمن وتعاقب الأجيال اندمجت هذه العناصر الثلاثة في بوتقة واحدة، وأصبحت تشكل مجتمع واحدا متماسكا يعمر القصور والقرى على امتداد الوادي وانمحت سلسلة الأنساب، ولم يعد هناك فوارق جوهرية بين هذه الأجناس وبسبب عدم وجود آثار لحياة علمية – قد يعود ذلك لانعدام التدوين والتأريخ خلال عدة عصور وأزمان – فأن التطور العلمي بالمنطقة يكاد يرتبط بالإباضيين، الذين تشير بعض المصادر التاريخية إلى امتداد تزعمهم المنطقة إلى القرن الثامن الهجري، حيث عم في فترتهم العمران ونمت غابات النخيل وتكاثر عددها وإنتاجياتها المختلفة، كما ازدهرت العلوم، واشتهر من علمائهم رجل العلم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المولود عام 340 هجري ب (تنسلي) بلدة عمر أو تنعمر وهو الذي يعرفه بعض الكتاب بأنه هو الولي الصالح سيدي محمد السايح جد أولاد السايح والعالم عبد الرحمان بن معلي مؤسس طريقة الحلقة بالجامع الكبير تقرت. ومع تقدم الزمن وتميز أهالي واد ريغ بتبجيل العلماء ووضعهم موضع رفعة وإجلال، برز علماء آخرون أمثال الداعية الكبير محمد بن عبد الكريم المغيلي، الذي اعتكف بالمسجد الكبير بتقرت، يدرس ويعلم، وكذلك فعل سيدي الحاج سعيد المغراوي، دفن بتقرت الذي قام بأعمال جليلة علما وعملا، والحاج عبد الله مشيد مسجد تماسين المعروف باسمه مسجد سيدي الحاج عبد الله. وإن كانت حركة التدوين وغيابها هي المتسبب الرئيسي في انعدام أي أثر هذه الحركات العلمية فإن بعض الكتابات على قلتها لم تخل من بعض الإشارات، حيث نجد الرحلة العربي العياشي في وصفه لمدينة تقرت، يتحدث عن فقهائها ومكتبة الإمام بالمسجد الكبير، العامرة بأنفس الكتب وأثمنها وأندرها، كما خصص الشيخ إبراهيم العوامر بعض الصفحات من كتابه الصروف في تاريخ الصحراء وسوف للحديث عن مدينة تقرت حيث يقول أن أهل تقرت ومنطقتها يمتازون بانتشار الثقافة الحديثة والأسلوب الحضاري في العيش، وحبهم للعلم والعلماء فقد نشأت بهذه المنطقة منذ القديم حركات علمية وثقافية كانت نتيجة لوجود الروح الإسلامية العربية لدى أهاليها، ثم تعددت هذه الروح بفضل الصلة الثقافية العميقة الجذور عبر التاريخ المشترك بين واحة تقرت وواحة واد سوف من ناحية، وبين واحة تقرت وواحة الجريد التونسي من ناحية أخرى. ويضيف الشيخ إبراهيم العوامر أن علماء واد سوف ونفطة وتوزر كانوا يفدون أفراداً وجماعات إلى تقرت وضواحيها، ومنهم الشيخ مبارك المازقي وعثمان بن المكي من توزر بتونس والشيخ العربي العدواني، الذين كانوا يحلون سنويا بتماسين، ويجتمعوا بمحل الشيخ أحمد بوبكري الذي خصص بيتا للوافدين من طلبة العلم، كما كان له الفضل الكبير في تدريس علوم النحو والصرف والفقه والحديث والفرائض والأصول هذا إضافة إلى أسر أخرى برزت في مجالات العلمية والفقهية أمثال أسرة الشيخ أحمد الزكيزكي، صاحب دار لالة ماما التي خصصها هو الآخر لينزل بها العلماء وطلاب العلم، وكذلك أسرة بالربح التي اشتغل كثير من أفرادها في القضاء والتدريس ومن هؤلاء كثيرا تركوا أثرهم في جميع قرى الوادي.