اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وفي يوم 13/3/1948 جاءت ساعة النهاية، وسقطت صنعاء في أيدي قوات القبائل حيث أذاع راديو صنعاء أن القوات الموالية لسيف الإسلام أحمد دخلت العاصمة صباح اليوم حوالي الساعة التاسعة صباحاً.
وكان سقوط صنعاء هي النهاية الحتمية المتوقعة علي ضوء تطورات الأحداث، فقد فشلت كل محاولات الحكومةاليمنية لإنقاذ الموقف سواء علي الصعيد الدبلوماسي، أو علي صعيد الوضع العسكري، وكذلك فشلت آخر محاولة قامت للصلح بين ابن الوزير وأحمد، وكانت نقطة النهاية للثـورة هي نفسها نقطة البداية لها، حيث مقر غمدان الذي كان استيلاء عبد الله الوزير عليه في بداية الثورة هي نقطة البداية لانتصارها، وكذلك جاءت نقطة النهاية للثورة من مقر غمدان حيث حدثت المؤامرة للقضاء علي الثورة، وكان أولاد الإمام يحيى قد أودعوا في مكان بقصر غمدان بالقرب من مقر عبد الله الوزير الذي تسامح معهم، ورفع عنهم الرقابة، وقد استطاعوا الاتصال ببعض الموالين لهم في القصر وفي صنعاء، كما اتصلوا بالأمير أحمد، وتم تنفيذ الانقلاب علي عبد الله الوزير داخل القصر ووقع القصر تحت سيطرة أولاد يحيى، بعد أن قطعوا خط التليفون بين قصر غمدان ومقر جمال جميل، وأطلقت المدفعية من جربة المدافع – وهو مكان استراتيجي كان يوجد في قصر السلاح – علي مقر عبد الله الوزير، الذي استسلم مع رفاقه، وتم إشعال النيران من قصر غمدان إشارة للنجاح في التغلب علي عبد الله الوزير، وكانت هذه الإشارة إشارة البدء حيث أشعلت النيران من على سطوح أتباع أحمد في صنعاء، وصاحبها إطلاق النيران، والهتافات العالية بدخول الإمام أحمد إلى قصر غمدان والقبض علي عبد الله الوزير، وقد أدي خبر القبض علي عبد الله الوزير، وإشاعة دخول أحمد قصر غمدان إلى استيلاء الرعب علي من تبقي من الحاميات الموالية للثورة علي الأبواب والأسوار، مما جعلهم يتسابقون في إعلان ولائهم لأحمد، واندفعت القبائل داخل صنعاء تمارس السلب والنهب وتهاجم البيوت والمحلات، ولم يستطع إلا القليل من رجال الثورة النجاة، وتم القبض علي قيادات الثورة، وعلي رأسهم عبد الله الوزير وجمال جميل والكبسي، وجري اعتقال ما يقرب من ألف شخص من الضباط والعلماء والأدباء والمثقفين والتجار والمشايخ وطلاب الكلية الحربية بالإضافة إلى بعض الفدائيين الذي قدموا من عدن لمناصرة الثورة.
أما صنعاء فقد وكل أحمد أمرها إلى إخوته الحسن والعباس وعلي وإسماعيل، حيث تم السماح للقبائل بنهب وسلب العاصمة مكافأة لهم علي موقفهم من أحمد، ومناصرتهم له، وعلي مرأى من هؤلاء الأمراء نهبت أسواق صنعاء، والكثير من البيوت والمساكن، وروعت النساء والأطفال، وبعد أسبوع من القتل والسلب توقفت القلاقل في صنعاء بعد أن فقد خمسة آلاف شخص أو أكثر حياتهم.
وتذكر الطبيبة الألمانية، ايفاهويك والتي كانت تقيم أثناء أحداث الثورة في تعز، أن جنود أحمد قد عاثوا نهباً وسلباً في صنعاء، وأن بعض هؤلاء الجنود قد روي بعد وصولهم إلى تعز أن أحمد رغبة منه في اجتذاب جميع الجنود إلى صفه لمهاجمة صنعاء وعدهم بأن ينهبوا المدينة باستثناء بيوت معينة تضم بيوت الأوربيين، كما أن نهب صنعاء كان وسيلة لإنزال العقاب بالرعايا من العصاة.
أما الأمير أحمد فقد دخل العاصمة في 14 مارس، حيث بويع من جانب علماء صنعاء في 15 مارس كإمامٍ وملكٍ لليمن، وكان قد اتخذ لنفسه أثناء الثورة لقب الناصر لدين الله، كما أنه أطلق علي اليمن اسم "المملكة المتوكلية اليمنية" تخليداً لذكري والده يحيى الذي كان يحمل لقب المتوكل علي الله، وقد غادر أحمد صنعاء إلى تعز التي اتخذها عاصمة ثانية لليمن، والتي أصبحت مقراً له طوال عهده.
وقد سارع أحمد إلى مخاطبة وفد الجامعة العربية الذي كان قد توجه من الرياض إلى جده، ألا يكلف نفسه عناء السفر والمشقة إلى اليمن، وأن الله كفي المؤمنين القتال.
وكان عزام باشا والوفد قد توجه إلى جده بعد سقوط صنعاء، ثم غادر عزام جده إلى القاهرة لمتابعة الأحداث فيفلسطين، بينما استمر الوفد في جده بناء علي رأي عزام في انتظار وعد أحمد بتحديد موعد ملائم لزيارةاليمن، إلا أن القضاء علي الثورة، واستتباب الأمن جعل من الزيارة غير ذات موضوع
وبذلك انتهت مهمة وفد الجامعة العربية إلى اليمن، والذي لم تطأ أقدام أعضائه أرض اليمن، وبعد أن لعب دوراً كبيراً في إجهاض الثورة، وتأييد أحمد في مطالبته بعرش اليمن.
ويبدو أن خطوه أحمد للحيلولة دون وصول وفد الجامعة العربية إلى اليمن - بالرغم من أنها كانت تعني الاعتراف بنظامه - كان الهدف منها تجنب أي ضغوط لإصدار عفو شامل عن الثوار، وكان الاتجاه داخل اللجنة السياسية للجامعة العربية، التي عقدت في بيروت في 18 مارس عدم الاعتراف بأحمد ملكاً لليمن إلا بعد الدخول في مفاوضات تهدف لحملة علي إصدار العفو الشامل، ولكن الملك عبد الله أجهض هذه المحاولة بمسارعته بالاعتراف بالإمام الجديد حيث أرسل في 15 مارس برقية تهنئة إلى أحمد كملك لليمن، وتبعه عبد الإله الوصي علي العرش في العراق، وبذلك تم قطع الطريق علي محاولة اللجنة السياسية، التي لم يعد أمامها إلا الاعتراف بالأمر الواقع، والاعتراف بأحمد ملكاً لليمن، مع إظهار رغبتها في العفو عن الثوار
وأرسل عبد الرحمن عزام إلى الملك عبد العزيز برقية بقرار اللجنة السياسية، اعترافها بالإمام أحمد ملكاً لليمن، ودعوة وفدها للعودة، وناشد عزام الملك عبد العزيز أن يبذل النصيحة للإمام أحمد ليضرب مثلاً في العفو والغفران عن الخصوم، كما أرسل عزام برقية لأحمد بالاعتراف به ملكاً علي اليمن وفقاً لقرار اللجنة السياسية
وتوالت اعترافات الدول العربية بالنظام الجديد، وأرسل الملك فاروق برقية تهنئة للملك أحمد في 18مارس، وكانت سوريا ولبنان آخر من أعترف بالإمام أحمد ملكاً
وبدخول أحمد صنعاء، واعتراف جامعة الدول العربية به ملكاً لليمن، انتهت الثورة اليمنية بالفشل بعد أن استمرت 26 يوماً منذ مقتل الإمام يحيى في 17 فبراير 1948 حتى سقوط صنعاء في 13 مارس 1948، لتعود اليمن مرة أخرى إلى حكم الإمامة ولكن بطبيعة الحالة كان من الصعب إعادة حركة التاريخ إلى الوراء، فلم يكن من المتوقع أن تعود الأوضاع القديمة علي وضعها مرة أخرى بعد أحداث هذه الثورة، وبعد أن ازداد الوعي بفساد هذا النظام البالي، الذي جلب لليمن العزلة والتخلف.
قبض على أكثر قادة الثورة وأرسلوا إلى سجن في بلده حجة وهناك كان يؤتى بالواحد منهم تلو الآخر في ميدان عام حيث يشد وثاقه ويميل برأسه قليلا ويوضع على عمود ذي شعبتين ثم يأتي السياف بسيفه ليضرب على عنق الضحية وسط جموع الناس
تم إعدام 32 من الثوار علي رأسهم عبد الله الوزير، وجمال جميل وحسين الكبسي ومحيى الدين العنسى والحورش وزيد الموشكي وأحمد البراق و محمد المسمري ، بعضهم أعدم في وسط صنعاء بميدان شرارة ( ميدان التحرير حالياً) والبعض الآخر في حجة ، وكذلك سيف الحق إبراهيم الذي مات في السجن بعد وضع له سم في الغذاء فتوفي مسموماً في 22 شعبان وهو أخو الإمام أحمد الأصغر وكان الإمام أحمد قد أمر بإطلاق صراح أربعة هم زيد عقبات والصفي الجرافي وعلى لطفي وحسين مظهر ويعفو عن ابنه الأمير البدر. وكانت الجثث بعد القتل يمثل بها ثم تصلب أما الرؤوس فكانت كل رأس ترسل إلى البلد التي ينتمي إليها صاحبها ، ولقد صلبت رأس عبد الله الوزير في صنعاء في ميدان شرارة لسبعة أيام ،
بعد ذلك تم إعدام الحاج الخادم غالب وعلي بن عبد الله الوزير وفي شوال 1367هـ تم إعدام كل من أولاد الحسيني ومصلح هارون وسنهوب وريحان والعتمي في صنعاء ، وفي أول العام 1368هـ وصل مساجين جدد إلى حجة وهم الشيخ أحمد ناصر القردعي وابن عمه على طالب القردعي والذي مات في سجن نافع كما وصل السيد محمد بن حسين عبد القادر من سجن صنعاء ، بعد مضي عام على قتل الإمام يحيى تم إعدام كل من الحاج عزيز والشيخ محسن هارون وفي نفس الشهر تم نقل الرئيس جمال جميل إلى صنعاء وحبسه في سجن الرادع بصنعاء وأعدم الشيخ محسن هارون في ميدان شرارة المسمى الآن بميدان التحرير.
وينجو من الموت الفضيل الورتلاني –مهندس الثورة- الذي غادر صنعاء قبل سقوطها بثلاثة أيام إلى جدة فسمح له الملك عبد العزيز بمغادرة البلاد ويستقل الباخرة « الزمالك » ولكن جميع الدول العربية ترفض السماح له بالدخول فيظل سجينا على ظهر الباخرة شهرين وينجح الإخوان في تهريبه إلى بيروت ومنها إلى باكستان بطريقة مثيرة للغاية.
كما زج في السجن بالكثير من الثوار، والذي قدر لبعضهم أن يلعب دوراً في تاريخ اليمن كعبد الله السلالوأحمد الثلايا وحمود الجائفي وعبد الرحمن الأرياني وأحمد المروني. وفي ليلة العيد من عام 1368هـ وصلت أوامر الإمام بالتشديد على المساجين وإضافة قيود ومراود إلى ما يحملونه وعدم اختلاطهم بالآخرين وعددهم ستة عشر وهم:أحمد محبوب –عبد السلام صبره- حسن العمري - عبد الله السلال - أحمد محمد النعمان - محمد الطاع- أحمد الشامي- عبد الله الشماحي- العزي صالح السنيدار –أحمد المروني – عبد الرحمن الإرياني - محمد عبد القادر وغالب الشرعي والنقيب محمد حمود قائد الضلعي و علي محمد السنيدار و عبد القادر أبو طالب ومحمد عكارس وغالب سري وحمود الجائفي وحزام المسوري. ومن هؤلاء الستة عشر أربعة جاء الأمر بالتشديد عليهم أكثر من غيرهم ويجلدون ثلاثين جلدة لكل منهم يوميا وهم: أحمد المروني- أحمد الشامي- العزي صالح السنيدار ومحمد عكارس كما صدرت أوامر بمصادرة أملاك بعض هؤلاء وأراضيهم وهدم بيوتهم وهم الصفي محبوب و حسن العمري و محمد عكارس. وظلوا في سجن حجة إلى أن جاءت ثورة الثلايا سنة 1955 م والتي أعدم فيها أحمد الثلايا.