اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
خرج مسلم سرّاً في منتصف رمضان ثم أقبل حتى دخل الكوفة في الخامس من شهر شوال ونزل في دار المختار بن أبي عبيد الثقفي. وكان أمير الكوفة النعمان بن بشير الانصاري. فأقبلت الشيعة تختلف إلى مسلم وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا. لكن هذا الخبر وصل بسرعة إلى الخليفة الأموي الجديد الذي قام على الفور بعزل والي الكوفة النعمان بن بشير بتهمة تساهله مع الاضطرابات التي تهدد الدولة الأموية وقام الخليفة يزيد بتنصيب والٍ آخر كان أكثر حزماً اسمه عبيد الله بن زياد فاقبل عبيد الله حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم فلما دخل قصر الإمارة أماط اللثام عن وجهه. وأصبح ابن زياد فنادى الصّلاة جامعة فاجتمع النّاس، فخرج إليهم وخطبهم ووعد المحسن بالإحسان وتوعّد المسيء بأشدّ العقاب، فبلغ ذلك مسلم بن عقيل فانتقل من دار المختار إلى دار هاني بن عروة. وكان مسلم بن عقيل قد كتب كتاباً أرسله إلى الحسين مع عابس بن أبي شَبيب الشاكري. يقول فيه: أما بعد فانّ الرائد لا يكذب أهله وأن جميع أهل الكوفة معك وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً فعجل الاقبال حين تقرأ كتابي هذا. وكان ابن زياد قد دعا مولى له، يقال له: معقل، فقال له: خذ ثلاثة آلاف درهم واطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه، فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم، وقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك منهم. وقد تمكن الرجل من انجازالمهمة والتعرف على مكان مسلم عن طريق مكيدة خدع من خلالها مسلم بن عوسجة. ولمّا علم عبيد الله بمكان مسلم وأنّه في دار هانئ أعدّ مكيدة تمكن من خلالها من جلب هانئ إلى دار الإمارة وحبسه هناك. ولما علم مسلم بن عقيل بحبس هانئ بن عروة نادى في أصحابه «يا منصور أمت» وحاصر دار الإمارة مع أربعة آلاف من أصحابه. فدعا ابن زياد كثير بن شهاب وأمره أن يخرج فيمن أطاعه من مذحج، فيسير في الكوفة ويخذل الناس عن ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان. وأمر محمد بن الاشعث أن يخرج فيمن أطاعه من كندة وحضرموت فيرفع راية أمان لمن جاء من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر السلمي وشمر بن ذي الجوشن العامري. فتفرق الناس عن مسلم بن عقيل ولم يبق معه سوى ثلاثين رجلا. ولما فرغ من صلاتي المغرب والعشاء تفرق الثلاثون عنه أيضاً وأمسى وحيداً في دروب الكوفة. فلجأ إلى بيت السيدة طوعة التي آوته بعد أن أعلمها بأن أهل الكوفة قد خذلوه. ولما تخاذل الناس واستتبت الأمور لابن زياد ذهب إلى المسجد وبعد أن أقام الصلاة أمر بالبحث عن مسلم بن عقيل. ولما علم ابن طوعة بمكان مسلم غدا على ابن زياد وأخبره عن مكانه. فالتفت ابن زياد إلى محمّد بن الأشعث وقال له: قُم وآتني به، وأرسل معه سبعين رجلاً فلمّا سمع مسلم وَقْعَ حوافر الخيل خرج إليهم بسيفه وجعل يضرب فيهم يميناً وشمالا. حتى أثخن بالجراح فازدحموا عليه فأوثقوه كِتافاً. فأقبل مسلم على محمد بن الأشعث وعمر بن سعد وطلب منهما أن يبعثا رجلا يبلغ الحسين بما آلت إليه الأمور ويطلب منه الرجوع. وكان خروج مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضَيْن من ذي الحجّة وهو اليوم الذي خرج فيه الحسين من مكّة وهو يوم التروية التاسع من ذي الحجة. وكان استشهاده بعد شهرين وأربعة أيام قضاها في الكوفة. وبعد استشهاد مسلم بن عقيل التقى مبعوث محمد بن الأشعث وعمرو بن سعد بالإمام الحسين عليه السلام في منطقة زُبالة واوصل له رسالة ابن عمّه مسلم بن عقيل إليه التي يخبره فيها بتفرق الناس عنه. فتأثر الإمام عليه السلام لذلك كثيراً وخاطب الناس: أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا...