اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ظهرت تطورات كبيرة في الديمقراطية الاشتراكية مع صعود إدوارد برنشتاين، داعية الاشتراكية التدريجية، والمتمسك بالماركسية مع ذلك، أواخر القرن التاسع عشر.
قدم برنشتاين، القيادي في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني، وصديق فردريك أنجلز، مراجعة نظرية لبعض الأفكار والمنطلقات الماركسية التي اعتبرها منتهية الصلاحية كالثورة الاجتماعية ومفهوم الصراع الطبقي. انتقد برنشتاين الفهم المادي للتاريخ لاستناده على الديالكتيك الهيغلي الذي رفضه. كما ادعى بأن الانتقال إلى الاشتراكية سيكون عبر الديمقراطية التمثيلية البرلمانية ومن خلال التعاون بين كافة الطبقات. واعتبر بأن التعايش بين القطاع العام والخاص سيسود لفترة طويلة قبل أن تتحول الملكيات الخاصة من تلقاء نفسها إلى تعاونيات.
كان برنشتاين يقول، بعد تحوله للمراجعة، بأنه يستند إلى كتابات ماركس وأنجلز المتأخرة، التي اعتبرها "ماركسية ناضجة" أكثر من ماركسية ما قبل سحق كومونة باريس عام 1871.
أكد برنشتاين بأن الطبقة العاملة ليست طبقة واحدة متجانسة، كما يشير "البيان الشيوعي"، بل هي طبقة تتألف، بالواقع، من أقسام وآراء متنوعة، حيث أن وجود نقابات بعضها اشتراكي وبعضها الآخر غير اشتراكي خير دليل على ذلك. كما أكد على أن الطبقة الوسطى ليست بحكم الزوال، بل هي آخذة بالاتساع المطرد. والجدير بالذكر بأن ماركس كان قد أشار بأن الطبقة الوسطى لم تكن على وشك الاختفاء في مؤلف "نظريات فائض القيمة"، ولكن، ونظراً لشهرة "البيان الشيوعي"، بقيت إشارة ماركس هذه مجهولة بالنسبة لكثيرين.
رفض برنشتاين التعارض الذي أقامته الماركسية بين الاشتراكية والليبرالية، حيث عرف الاشتراكية بأنها "ليبرالية منظمة". وادعى بأن لدى الديمقراطيين الاشتراكيين والديمقراطيين الليبراليين أرضية مشتركة يمكن الاستناد إليها لإقامة "جمهورية اشتراكية".
أعلن برنشتاين بأن الديمقراطية الاشتراكية لا تطمح لتدمير المجتمع المدني، ولا تطمح، أيضاً، لبناء الاشتراكية، منفصلةً عن المجتمع البرجوازي، بل تتطلع لتنظيم اشتراكي للمجتمع، بدلاً من التنظيم الرأسمالي القائم.
قبل برنشتاين باقتصاد مختلط لفترة طويلة على طريق الانتقال إلى الاشتراكية، يتألف من ملكيات عامة، وتعاونية، وخاصة، قبل أن تتطور تلك الأخيرة، من تلقاء نفسها، لتكتسب صفة تعاونية.
انتقدت كوكبة من رواد التنظير الماركسي الأوروبي مواقف برنشتاين وسموه "محرفاً"، وعلى رأسهم: الألماني كارل كاوتسكي، رفيق برنشتاين في الحزب، والذي كان يدعى بلقب "بابا الماركسية"، والألمانية-البولندية روزا لوكسمبورغ، وجورجي بليخانوف، أبو الماركسية الروسية. كان منتقدو برنشتاين يدينون مواقفه الإصلاحية بحجة أن مهمة الاشتراكيين الثوريين الحقيقية هي إسقاط الرأسمالية وليس إصلاحها. رفض برنشتاين مواقف كاوتسكي وزملائه "الأرثوذكسية" واتهمها بإهمال ملاحظات ماركس حول إمكانية تطور الرأسمالية نحو الاشتراكية تدريجياً، عبر الديمقراطية البرلمانية. وبالمقابل، لم ينف كاوتسكي دور الديمقراطية، بل اعتبر أن "ديكتاتورية البروليتاريا" هي مجرد تسمية لحالة تنشأ بعد الثورة الاشتراكية، وليست حكومة ترفض الديمقراطية كما كان يشاع.
أدانت روزا لوكسمبورغ، ممثلة الاشتراكية الثورية داخل الحركة الديمقراطية الاشتراكية، مواقف برنشتاين الإصلاحية، مدعية بأن سنوات غربته في بريطانيا جعلته يفقد الألفة مع الوضع في ألمانيا، حيث كان يدعو إلى "الاشتراكية التدريجية". وسعت لوكسمبورغ جاهدة للحفاظ على الديمقراطية الاشتراكية كتيار ثوري ماركسي.
حاول أنجلز عام 1895، في مقدمته لكتاب ماركس "الصراع الطبقي في فرنسا" أن يرأب الصدع بين الثوريين والإصلاحيين في الحركة الماركسية. حيث أعلن بأنه يؤيد تكتيكات انتخابية قصيرة الأمد، تتضمن تدابير اشتراكية تدريجية، مع الإبقاء على التزامه بالاشتراكية الثورية. وعلى الرغم من محاولته لدمج التدريجية مع الثورة، ساهمت مواقفه هذه بتعزيز مواقف الإصلاحيين، إذ أدت تصريحاته في صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية إلى تعزيز التصور العام بأنه كان يتجه نحو الاشتراكية التدريجية، حيث أكد بأن "الثورة" و"ما يسمى بالمجتمع الاشتراكي" ليسا مفهومين ثابتين، بل ظواهر اجتماعية متغيرة باستمرار. وقال إن هذا يجعلنا جميعاً (أي الاشتراكيين) من أنصار التدريجية. حيث اعتبر أنه لمن "الانتحار" الحديث عن الاستيلاء الثوري على السلطة من قبل البروليتاريا، في الوقت الذي تتيح فيه الظروف التاريخية الطرق البرلمانية للسلطة، كما توقع وصول الديمقراطيين الاشتراكيين إلى السلطة بحلول عام 1898، على أقل تقدير. أحدثت مواقف أنجلز، الذي قبل علناً بالتكتيكات التدريجية والبرلمانية، ارتباكاً كبيراً داخل الحركة الماركسية.
ادعى برنشتاين بأن تنبؤات ماركس عن انهيار الرأسمالية نتيجة تناقضاتها الداخلية لم تكن تتحقق، حيث، بحلول التسعينات من القرن التاسع عشر، كان هنالك القليل من الأدلة التي ترجح حدوث ذلك.
هيمن سجال الإصلاح والثورة على مؤتمر هانوفر للحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني عام 1899، واحتل مكاناً بارزاً في فرنسا بعد انضمام عضو الحزب الاشتراكي الفرنسي، ألكسندر ميلراند، إلى حكومة رئيس الوزراء الفرنسي فالديك روسو الليبرالية. استفزت تصرفات ميلراند غضب الاشتراكيين الثوريين في الأممية الثانية، المنظمة الدولية التي جمعت الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية. ورداً على ذلك، أعلن مؤتمر باريس للأممية الثانية المنعقد عام 1900 حلاً للنزاع من خلال مشروع قرار صاغه كاوتسكي، أعلن من خلاله أن الاشتراكيين عموماً لا ينبغي لهم الاشتراك بحكومات غير اشتراكية، إلا في حال الضرورة، من أجل "المحافظة على مكتسبات الطبقة العاملة".
كان جان جوريس، الماركسي الإصلاحي، من الشخصيات البارزة التي أثرت في الديمقراطية الاشتراكية. عارض جوريس، في مؤتمر الأممية الثانية عام 1904، الماركسي الأرثوذكسي أوغست بيبل، معلم كاوتسكي، لترويجه لتكتيكات اشتراكية أحادية. اعتبر جوريس أنه لا يوجد برنامج اشتراكي واحد قابل للتطبيق في جميع البلدان على ذات القدر، بسبب اختلاف النظم السياسية من بلد إلى آخر. حيث قارن جوريس بين التأثير الكبير للاشتراكية في فرنسا، بسبب نظامها الديمقراطي البرلماني، والتأثير المحدود للاشتراكية في ألمانيا، موطن بيبل، بسبب نظامها الاستبدادي ذو الديمقراطية البرلمانية المحدودة.