اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يُقصَد بأسباب النزول اصطلاحاً: العلم الذي يهتمّ بالبحث عن سبب نزول سورةٍ، أو آيةٍ ما، أو البحث عن وقت نزولها، أو المكان الذي نزلت فيه، وقد يكون سبب النزول وقوع حادثةٍ معيّنةٍ، كخصومةٍ، أو خطأ وقع أحدٌ فيه، أو أمنيةٍ ورغبةٍ نزلت آيةٌ فيها، أو إجابةٍ عن سؤالٍ وُجِّه إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ بهدف معرفة مسألةٍ ما، أو بيان حُكمٍ شرعيٍّ، وقد يكون السؤال عن شيءٍ حصل في الماضي، أو الحاضر، أو عن أمرٍ قد يقع في المستقبل، ويُشار إلى أنّ أيّام وقوعه (نزوله) تُقصَد بها الظروف التي نزل فيها القرآن الكريم مُوضِّحاً ذلك السبب؛ سواء كان نزوله بعد الواقعة مباشرةً، أو تأخَّر لحكمةٍ ما.
لا يمكن ان يخضع سبب النزول للاجتهاد، أو الرأي؛ لأنّه أمرٌ واقعٌ نزلت بشأنه آيةٌ، أو سورةٌ، وقد ذكر الواحديّ أنّ مصدر أسباب النزول الرواية والسَّماع مِمّن عاصروا التنزيل، ولديهم العِلم بالأسباب، وبَحثوا عنها، فقال: "ولا يحلّ القول في أسباب نزول الكتاب إلّا بالرواية والسماع ممّن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها، وجدّوا في الطّلاب"، واعتبر العلماء الصحابيَّ الذي سردَ سبب النزول من الذين عاصروا وقت نزول الآية أو السورة في حُكم المرفوع؛ أي المَنسوب إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، أمّا التابعيّ الذي يروي أسباب النزول، فله كذلك حُكم المرفوع، إلّا أنّه مُرسَلٌ؛ لعدم ذِكر الصحابيّ، وقد تعدَّدت الصِّيَغ التي يبتدئ بها سبب النزول، ومنها: "فنزلت"، أو "فأنزل الله"، وتكون في الغالب لبيان السبب المباشر لنزول الآية، أمّا صيغة: "نزلت في كذا"، أو "نزلت في فلان"؛ فلا تُعَدّ من باب سبب نزول الآية، بل تكون في الأغلب من باب التفسير الاجتهاديّ.
تكمُن أهميّة معرفة أسباب نزول آيات القرآن الكريم في العديد من الأمور، بيان البعض منها آتياً:
ذكر الشاطبيّ أنّ الإلمام بسبب النزول أمرٌ لازمٌ لكلّ مَن أراد علم القرآن، وما يدلّ على ذلك أنّ علم البيان والمعاني الذي عُرف به نظم القرآن، وفَهْم كلام ومقاصد العرب، إذ قد يحصل خلافٌ في الفَهْم في الكلام الواحد حسب المخاطَبين وغيرهم، فالاستفهام لفظٌ واحدٌ وقد يدخله معانٍ عدّةٍ، وأسلوب الأمر كذلك، فقد لا يصل للمعنى إلّا بقرائن خارجيّةٍ وأساسها مقتضى الحال، وفي حال تمّ النظر إلى بعض القرائن دون غيرها فمن الصعب فَهْم الكلام، ولذلك فإنّ معرفة أسباب النزول تُزيل أي إشكالٍ قد يقع.
تنقسم أسباب النزول إلى نوعَين؛ الأوّل: وقوع حادثةٍ مُعيّنةٍ، ومن ثمّ نزول شيء من القرآن؛ لبيانها، ومثال ذلك ما وقع حين نزل قَوْله -تعالى-: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)؛ إذ خرج النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، وصعد على جبل الصفا، وسأل عشيرته إن كانوا يُصدّقون ما يُخبرهم به، فأجابوه بتصديقه وعدم تكذيبه، فأخبرهم بأنّه ينذرهم من عذابٍ شديدٍ، فرَدّ أبو لهب: تبّاً لك، فأنزل الله قَوْله: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)، والثاني: توجيه سؤالٍ إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- في أمرٍ ما، فينزل من القرآن ما يُبيّن الحُكم، مثل: الأسئلة التي تتعلّق بالأيتام، ومشاركتهم في أموالهم، وما يتعلّق بالخَمر، والحيض، والعديد من الأسئلة التي بيَّن القرآن حُكمها، ولا يُعَدّ ما ذكرَه القرآن من قصص الأمم السابقة من أسباب النزول؛ إذ إنّ أسباب النزول تختصّ بما ينزل من القرآن أيّام وقوعه؛ أي بَعد بعثة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-.
ويُذكَر من الأمثلة: بيان سبب نزول قَوْله -تعالى-: (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ*وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)؛ وهو نَهي النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن الاستغفار لعمّه أبي طالب بعد موته مُشركاً بالله تعالى-، ومن الأمثلة أيضاً أنّ قَوْل الله -تعالى-: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، نزل بعدما جاءت خولة بنت ثعلبة زوجة أوس بن الصامت إلى النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- تشتكي إليه أنّ زوجها جعلَها عليه كظَهْر أمّه بعد أن كانت شابّةً ذات جمالٍ، ولها أولاد، وأنّها تحبّ زوجها، فأخبرها النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- بأنّها حُرِّمت عليه، فتوجّهت إلى الله بالدعاء والشكوى، فجاء الردّ بنزول الآية السابقة.