اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تُعدّ زينب -رضي الله عنها- اكبر بنات النبي -عليه الصلاة والسلام-، وتزوّجت قبل البعثة بابن خالتها أبي العاص بن الربيع، وولدت له عليّ الذي توفّي وهو صغير، وأُمامة التي تزوّجها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعد وفاة خالتها فاطمة الزهراء -رضي الله عنها-، وقد كان أبو العاص يرى زينب -رضي الله عنها- كُلما جاء زائراً لبيت خالته خديجة -رضي الله عنها-، وكانت ترتاح له زينب، فجاء خاطباً لها، فوافق النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقد كان أبو العاص ذا حسبٍ، وصاحبَ صفاتٍ حميدة، وكان ذلك قبل البعثة، وذات يومٍ خرج في تجارةٍ لِقُريش، وعندما عاد وجد زوجته قد أسلمت، فخرج إلى دار النّدْوة، ورجع إليها في الليل، وأخبرها أنه لقِيَ أبوها عند الكعبة ودعاه للإسلام، فرفض ذلك، وقال لزوجته: "والله ما أبوك عندي بِمُتّهم، ولكني أكره أن يُقال: إن زوجك خذل قومه وكفر بدين آبائه مرضاة لامرأة"، ولما اشتدّ أذى المُشركين على النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحابته، هاجر إلى المدينة، ولكنّ زينب بقيت مع زوجها في مكة؛ إذ لم يكُن هُناك أمرٌ من الإسلام بالتفريق بين المُسلمة والكافر بعد، وسمعت زينب أن هُناك حرباً ستقوم بين المُسلمين وقُريش، وكان عدد مقاتلي قريش ألف مقاتل كاملي العدّة، فسألت زينب عن عدد جيش المُسلمين، فقالوا لها: مئة، أو مئتين، أو ثلاثمئة، فحزنت في نفسها.
بعد أن سمعت زينب هذا الخبر ذهبت إلى ولديْها واحتضنتهما وهي تبكي؛ مخافة أن يموت أبوهم أو والدها، وبقيت على حزنها إلى أن وصلها خبر أسْر زوجها أبو العاص، فبعثت مع أخيه بقلادةٍ أهدتها إيّاها زوجة النبيّ أمّها خديجة -رضي الله عنها- في يوم عُرسها؛ فداءً لزوجها، وذلك بعد وصية النبي -عليه الصلاة والسلام- للصحابة بالاستوصاء بالأسرى، فلمّا رآها النبي -عليه الصلاة والسلام- حزن وقال إن هذه قلادة الحبيبة تبعث بها بنت النبي إلى أبيها فداءً لزوجها، فأمر الصحابة بإطلاق زوجها وردّ مالها إليها، ففعل الصحابة ذلك، فرجع زوجها مع أخيه إلى مكة، وعند وصوله إلى زوجته فرحت فرحاً شديداً، ولكنّه أخبرها أن الإسلام فرّق بينهما، وأنّه وعد النبيّ بإرجاعها إليه، وطلب منها التجهُّز للسفر ليأخذها زيد بن حارثة مع صحابة معه من الأنصار ويردّوها إلى النبيّ، فخرجت مع كنانة من مكة وهي حاملٌ في شهرها الرابع، فسمعت قُريش بخروجها ولاحقوها، وكان أسرعهم الهبّار بن الأسود الذي مات له ثلاثة إخوة في بدر، فضرب بعيرها، ووقعت زينب وأطفالها على صخرةٍ في الطريق، فمات من كان في بطنها.
وكادوا أن يقتلوها لولا أنّ كنانة اعترضهم، فجاء أبو سفيان وقال له إنه أخطأ في إخراجها في ذلك الوقت، وأشار عليه بإرجاعها إلى مكّة حتى تستعيد قواها هي وأطفالها فيردّها إلى أبيها سرّاً، وفعل كنانة ذلك، وبقي أبو العاص إلى جانبها أيّاما حتى تعافت بعض الشيء، فخرجت مع كنانة وسلّمها إلى زيد بن حارثة، وردّوها إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وبعد مُكوث زينب ستِّ سنوات في المدينة، جاءها زوجها عند الفجر، وقد ظهرت عليه علاماتُ الشُحوب، والقلق، والإجهاد، فسألتُ عن حاله، فأخبرها أنه كان خارجاً في تجارةٍ لِقُريش، فاعترضته سريةٌ للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فهرب منهم، وجاءها مُتخفّياً، فنادت زينب بأعلى صوتها أنّ أبا العاص في جوارها، فسمع النبيّ ذلك وهو في المسجد في وقت صلاة الفجر، فأخبر -عليه الصلاة والسلام- صحابته أنّ يتركوه ولا يؤذوه، وأمر النبي أن يأتي أحد الصحابة بأبي العاص إلى المسجد، وأعادوا له ما كان له من المال في القافلة.
رجع أبو العاص إلى مكة، وأعاد إلى قُريشٍ أموالها، ثُمّ نادى بصوتٍ عالٍ ونطق بالشهادتيْن أمامهم، وأخبرهم ما فعل معه النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحابته من إعاده الأموال إليه، وأنّه لم يُسلم حتى يُعيد إليهم أموالهم، وقال لهم: "والله ما منعني من الإسلام إلَّا تخوُّف أن تظنُّوا أنِّي آكل أموالكم، فلمَّا أدَّاها الله عزَّ وجلَّ إليكم أسلمت"، ثُمّ هاجر إلى المدينة في السنة السابعة من الهجرة، وذهب إلى المسجد النبويّ فبايع النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأخبره النبيّ أن الإسلام يُكفّر ما كان قبله، فتهلّل وجه المُسلمين وكبّروا فرحين، وردّ النبي إلى أبي العاص زوجته، وبعد عامٍ واحدٍ في بداية السنة الثامنة من الهجرة كان الفراق، فقد تُوفّيت زينب -رضي الله عنها-؛ مُتأثرةً بما أصابها من الجرح الذي كان في الصحراء عندما فقدت جنينها، فبكا زوجها وحزن حزناً شديداً حتى أبكى من حوله، وحزن النبي -عليه الصلاة والسلام- وأمر النساء بغسلها وتْراً، وتوفّي زوجها في خلافة أبي بكرٍ -رضي الله عنه- في السنة الثانية عشرة للهجرة، وبموت ابنها عليّ انقطع نسلها.