English  

كتب رسالة من داخل السجن

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

رسالة من داخل السّجن (كتاب)


كلمة مقتضبة
لأنّي أعاني من سذاجة حمل وديع يُساق إلى المسلخ وهو يرقص من شدّة الفرح، وعته الحمار الذي يتحمّل الجهد والمشقّة ولا يشكو إلى أحد، ولا حتى إلى صاحبه أقرب الناس منه. كنتُ أعاني من الرّهاب الإجتماعي بداية وأنا في سن المراهقة، ولم أكن أعرف عنه شيئا. وكم أنغص حياتي وأنا صابر محتسب ولم أشتكِ. وقد شجّعني هذا المرض اللّعين على شرب أنواع المخدّرات والمسكرات وكنتُ على عتبة الإدمان، وحتّى أنّني فكّرتُ في الإنتحار. وكان سببا في إقبالي على قراءة العديد من المقالات و الكتب. أتطلّع إلى ما فيها من حالات شبيهة بحالي، وأحيانا أجري أنواع التّجارب "المسمارية" و"البافلوفية" على نفسي وعلى غيري، من السذّج أمثالي... ولعلّي أجد حلاّ لمعضلتي.
لأّنّني عشتُ في وسط، تغلّب فيه الجهل على الدّين والخرافة على العلم، فقد كان أمثالي يعتقدون أن ما بهم من هواجس وأمراض نفسيّة سببها مَسٌّ أوعيْنٌ أو سِحر، وأنّ شفاءهم بيد السّحرة والمشعوذين، لا بيد الله العظيم أو الأطبّاء المختصّين!
لأنّني أنتمي إلى جيل معرّب، بينما الإدارة كانت " ولا تزال" فرنكوفونية حتى النّخاع، فقد كنتُ - ويا أسفي على المعرّبين أمثالي - أعاني كثيرا من السّخرية والتّهميش، إلى أن سقطتُّ دون إرادتي في زمرة المفسدين. وكل تلك الشّكاوي وطلبات النّقلة والاستقالة العديدة... من التي تعمّدتُّ كتابتها بحروف عربيّة مستنيرة، وحرصتُ على تبليغها للمعنيين بالأمر مباشرة..، لم تحظ بردّ مقنع ومفيد، ولم تجد لها آذانا صاغية.
بتُّ أعاني من ألم الخيبة والإحباط، ولم أكن قادرا على نفض الغبار عنّي ولا على المقاومة، وغدوتُ كطريدة شاردة وتحوم من حولها الضّباع. وقرد زاقح يحاول الإفلات من القفص.
دعوتُ الله مرارا أن يريحني من محنتي، بإحدى "الحسنيين"؛ بالموت أو السّجن. وكانت لحظة إجابة.
فلترتح والدتي المسكينة دائمة البكاء والنّحيب، ولتهنأ زوجتي كثيرة الشّجْب. وليفرح كل أولئك الذين كانوا سببا في تعاستي... فقد أحسستُ بثقلي عليهم. لم يعد شبح السّجن يخيفني. فهذه ليلتي، و لطالما كنتُ أبحث عنها كي أرضي ضميري و أتصالح فيها مع نفسي. ولطالما اشتقتُ إلى هذه النّفس الرّقيقة، رهيفة الإحساس؛ أنصتُ إليها وهي تعاتبني تارة، وتعدّ مساوئي وتوبّخني؛ فقد كنتُ بالفعل آفة ولم أكن أدري.