اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
"جِئتُ لأَصْلُبَ العالمَ، لا لأُصْلَبَ مِنْ قِبَلِ العالم"
إنجيل فيليب، ص 138
وكأنّنا أحرارٌ في إيماننا. أم تُرانا أمام حقيقة أكبر من مخيّلة روائيّ، حين نقرأ هذه الرّسائل الخارجة من أرض كنعان إلى رومية، فنتساءل: لماذا أرسل بيلاطُس البنطيّ رسائله، منذ تولّيه منصبه في قيصريّة وحتى الإنتهاء من محاكمة النّاصريّ، إلى الفيلسوف الرّواقيّ سِنيكا دون غيره؟ ومن هو سِنيكا؟ ما هي طبيعة العلاقة بين الإثنين؟ كيف يؤثر فهمنا لحقيقة سِنيكا وأفكاره وحياته وعلاقاته المعقّدة والدراماتيّة مع العرش القيصريّ في رومية، كيف يؤثر على سَبْرِ دوافع هذه الرسائل، والولوج في الخلفيات السياسية والثقافية والتاريخية والمنفعيّة التي قد يكون لها تأثيرات واعتبارات على طريقة كتابة هذه الرسائل والهدف منها أو من ورائها؟ هذا، ومع العلم أننا (نفتقد)، في هذه الرواية، إلى الرسائل الرَّديّة العينيّة التي بعث بها سِنيكا إلى البنطيّ، ولا نعرف عن محتوياتها إلا بمقدار ما نستشرفه، هنا وهناك، مما يُشير إليها في رسائل بيلاطس نفسه؛ في هذا التّغييب ما هو أبعد من الأسلوب نحو تحفيز الخيال وإبقاء الكثير من الأسئلة مُشرعة أمام فضاء الإبداع والنَّسْج.
إضافةً إلى ذلك، كيف يمكننا، عبر الحَفْرِ في شخصيّة الفيلسوف ورجل البلاط سِنيكا، وعبر علاقته بالبنطيّ، كيف يمكننا أن نمسكَ بخيوط تاريخ محاكمة الناصريّ، وتفسير تردّد بيلاطس المتكرر في اتخاذ قرار يقضي بصَلبه بموجب رغبة السلطة اليهوديّة السياسيّة الكهنوتيّة في أورشليم؟ وربما تجدر المقارنة هنا بين محاكمة الناصريّ ومحاكمة بولس أمام غاليون (شقيق سِنيكا) في قورنتس بين الأعوام 50 – 52م. والسؤال الأخير الذي، ربما، لا محالة من طرحه على ضوء هذه الرسائل وما تحجبه خلف سطورها: هل كان البنطيّ عاجزًا فعلًا عن إنقاذ الناصريّ، ذلك الذي أحجم عن، أو تردّد مرارًا في أمر إعدامه؟ وما الذي حصل في الحقيقة؟ ما هو دور كلاوديا بروكولا زوجة بيلاطس المعجَبة بالناصريّ وأفكاره؟ ما هو دور المستشار الأول لبيلاطس، ألكسندر نصف اليهودي، والمعجب كذلك بأفكار النّاصريّ ودعوته، والشّاهد الأهم على بُطلان التُّهم الموجّهة إليه بحسب هذه الرّسائل؟
(من مقدمة الكتاب، بقلم المترجم)