اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أدخل المهدي إلى مكان بارد وضيق، وتم نزع ملابسه عنه بما فيها تلك الداخلية، بعد أن تم تعصيب عينيه. وخضع لتفتيش دقيق لم تسلم منه حتى أسنانه وشعره والأجزاء الحساسة من جسمه. بعد ذلك سيخضع لطواف مرهق، ما بين ممرين أحدهما بارد والآخر ساخن بفعل التكييف. ولمدة ساعة ونصف ظل أحدهم يلبس لباسا غليظا، حسب تقدير المهدي، وذلك من خلال الأصوات التي كان يحدثها احتكاك أعضاء جسمه عندما كان يقود المهدي في طوافه الماراطوني مما سبب له الاختناق والتعب. فكان جسده يتصبب عرقا، وفي نفس الوقت يرتعش من شدة البرد، بينما اجتاحته نوبة سعال أحس معها بأنه سيقذف رأيته خارج جسده الصغير والمنهك.
وبعد مرور ساعة ونصف من هذا “التمرين” المؤلم، أدخل إلى إحدى القاعات، وكل مبتغاه هو أن يسمح له بالجلوس لأخذ قسط من الراحة. فترك في غرفة مظلمة حتى جاء شخص عرف المهدي من خلال أصوات “فلاشات” الكاميرا أنه كان يقوم بتصويره من عدة زوايا. وبعد ذلك بدأت مرحلة الاستنطاق، التي شملت أدق التفاصيل منذ ولادة المهدي، ولم تستثني حتى أفلامه وموسيقاه المفضلة. وحتى تلك اللحظة لم يعرف المهدي أين كان يوجد ولا مع من يوجد. وأول ما تبادر إلى ذهنه، هو أنه وقع ضحية عصابة من تلك العصابات التي كان يشاهدها في الأفلام، التي تقوم باختطاف الأشخاص وتسرق أعضائهم لبيعها في السوق السوداء. لذلك كان تركيز المهدي كله منصب على الطريقة التي ستقتله بها العصابة. فيتخيل أنهم ربما سيقومون بحقنه بمادة مخدرة قبل تقطيع أطراف جسده، كما كان يتوقع أن يهوي أحدهم بآلة صلبة على رأسه حتى تفقده وعيه فيقومون بتمزيق أعضائه وفي لحظة انفجر المهدي باكيا، وفي براءة قال لمختطفيه لتخويفهم، إن والدته لن تسكت إذا ما تم إيذاءه وأنها ستبلغ الشرطة التي ستقوم بإلقاء القبض عليهم. وربما أعجبت الفكرة أحد المختطفين فقال للمهدي إنهم عصابة دولية لها نفوذ كبير في العالم، وأنه سيمكث عندهم حتى ينفذ ما لم يقم به الذي سبقه إلى هذا المكان، دون أن يقدموا له تفاصيل أخرى. مكث المهدي يعاني من ضيق التنفس، رغم أن الطبيب نصح جلاديه بأن يوضع في مكان يتعرض لأشعة الشمس ويخضع للتهوية النظيفة، حتى فجر ذات صباح بارد وممطر، عندما استيقظ على جلبة في مكان اعتقاله، الذي عرف فيما بعد أنها “كوميسارية المعاريف”. فجاء أحدهم ونهره بقوة وهو يحثه على الصعود إلى الطابق الأرضي، فوجد أحد المحققين وهو في حالة عصبية ينفث دخان سيجاراته التي كان يدخنها بشراهة، فأمره بعصبية أن يوقع على محضر التحقيق معه، بعد أن أخفى عنه رزمة الأوراق المائة التي حملت “تصريحاته”. فقام المهدي بالتوقيع عليها، وهو مكبل اليدين، والقلم يرتعد بين يديه المرتعشتان من شدة البرد والخوف، واغتنم المهدي لحظة رفع العصابة عن عينيه، ليلقى نظر على عقارب الساعة في يد المحقق الذي كان يضع يده الأخرى فوق رأسه حتى لا يرفع عينيه إلى فوق فيرى وجهه، فكانت الساعة تشير إلى الرابعة والنصف صباحا.