English  

كتب رجال وثيران

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

رجال وثيران (كتاب)


وفجأة- تماماً كما تعودنا أن نقول في القصص- وجدت موضوع "رجال وثيران" يدق مطالباً بالخروج، موضوعاً كان مفاجأة تامة لي، فلم أكن أتوقع أبداً وأنا عائد من إسبانيا (لم تمض على عودتي أيام) أن يأتي بمثل تلك السرعة، ولا أن يجد لدي كل تلك الاستجابة وهذا الحماس. وهكذا كتبت "رجال وثيران"، ليس بدلاً من الموضوع الأول ولا هرباً منه ولا محاولة للرمز أو ربطه بصراع مرت به القوى الثورية في الجزائر، ولا أي شئ من هذا كله. إنها قصة مستقلة تماماً، حوادثها وإن كانت تدور في إسبانيا إلا أن بطلها هو الإنسان، في إسبانيا أو في أي مكان، قصة كانت ولا تزال تثير دهشتي، فلم أكن أتوقع من مرة واحدة شاهدت فيها مصارعة الثيران بعد ظهر ذلك اليوم من أيام أغسطس المدريدية، وفي ملعبها الكبير، آخر ما كنت أوتوقعه أن يختمر خلال ساعتين عشتهما مع المصارعة والثيران والمصارعين هذا العمل، أو أي عمل آخر حتى لو كان سلسلة من المقالات.

فكل ما أذكره الآن وبعد مضي أكثر من عامين على كتابتها لأول مرة أني كنت سعيداً جداً، لا أكاد أنتهي من مشاغلي اليومية حتى أسرع إلى المكتب حيث تنتظرني معركة أخوضها بكل ذرة من كياني، متحمساً، منتشياً، أحس أني لأول مرة ومن خلال القصة أخوض صراعاً حقيقياً عميقاً وأنفعل بكل لحظة من لحظاته.. الصيف في القاهرة، والحر في النهار، والنسمات رقيقة كشمس الغسق في الليل، والصراع دائر في خيالي يتوهج أحياناً حتى ليبلغ قيظ يوليو، ويشف أحياناً حتى ليهب كسر صغير من نسمات طفلة ترد رؤيتها الروح وتنعش القلب الخامل، وصور إسبانيا- والإسبان أرق وأعنف وأغلب وأشجع وأحكم وأجن شعب من شعوب العالم- وكأننا نحن العرب كنا هم، أو هم كأنهم كانونا، ذلك الشعب بلغته، بأغانيه، برقصه، بفقره، بصبره، بجماله، بحنينه إلى الماضي المجيد، بالحنين الأكثر إلى المستقبل. هذا الشعب بكل صوره وإنفعالاته المتغيرة الدائمة التغير، تلون أشكال الصراع وتزكيه. لقد كانت أيام كتابتها جميلة حقاً.