English  

كتب رابعا خلق أفعال العباد

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

رابعا: خلق أفعال العباد (معلومة)


إثبات الخلق لله والكسب للعبد

من المسائل التي أثارت خلافا شديدا بين المتكلمين مسألة خلق أفعال العباد فلقد تعددت المواقف إزاءها وكثر الخلاف والجدل حول تفصيلاتها ولم يقتصر البحث على الجبر والاختيار بل تطرق إلى البحث في طبيعة القدرة الإنسانية وهل هي مع الفعل أم سابقة عليه؟ وهل هي تصلح للضدين؟

عرض أبو المعين للتيارات الثلاثة التي تمثل اتجاهات في هذه المشكلة: تيار الجبرية الذين يقولون بالجبر وعارضه، وتيار المعتزلة الذين يقولون بإضافة الأفعال ونقده، وتيار الكسب الذين يقولون بأن الأفعال مخلوقة لله تعالى ومكسوبة للعبد وهو التيار الذي يتبناه الماتريدية والأشعرية. ولقد حدد أبو المعين نقاط يدور حولها البحث في مسألة خلق أفعال العباد وهي:

  1. إثبات استحالة ثبوت قدرة التخليق لغير الله تعالى.
  2. العبد له فعل وإن لم يكن له قدرة التخليق.
  3. جواز وقوع مقدور واحد تحت قدرة قادرين.
  4. معنى الكسب.
  5. إيجاد القبيح ليس بقبيح.
  6. بيان معنى الشركة.

بالنسبة للنقطة الأولي: وهي عدم قدرة غير الله على الخلق، يربط فيها أبو المعين بين الخلق والعلم، فلو كان للعبد قدرة تخليق فعله لكان ينبغي له العلم بكيفية خروجه من العدم إلى الوجود، وبما يخرج عليه فعله من المقادير والأحوال والأوصاف، وقد رأينا جهله بهذه المعاني وانعدام علمه بها، وهذا يدل على عدم قدرته على تخليق فعله.

ولكن يمكن الرد على هذا بالقول بأن المعتزلة لا تسوي بين فعل الله وفعل العبد، وليس فعل العبد هو إخراج من العدم إلى الوجود، وخلق الأجسام أو غير ذلك فيما يختص به الله تعالى. أيضا مما يدلل على أن العبد ليست له قدرة التخليق هو خروج أفعال العباد على خلاف ما يريدون، فلو كانت لهم قدرة التخليق والاختراع والإيجاد لخرجت أفعالهم وفقا لما يريدون ويقصدون.

أيضا أن إثبات قدرة التخليق للعبد تؤدي إلى تعجيز الباري جل وعلا فلو كان قادرا على أن يخلق في العبد حركة والعبد قادر على أن يخلق فيه سكونا، فلا تثبت قدرة الله تعالى إلا بامتناع قدرة العبد، فكانت قدرة الله تعالى بذلك موقوفة على امتناع قدرة العبد. وأبو المعين في محاولته إثبات بطلان رأي خصومه يلزمهم القول بالتسوية بين الفعل الإلهي والفعل الإنساني، وخصومه لا يسوون بينهما.

بالنسبة للنقطة الثانية: يثبت أبو المعين أن للعبد فعلا، لكن فعل العبد مغاير لفعل الله تعالى، لكن خصومه - فيما يذكر - يزعمون أنهم يفعلون عين فعل ربهم. ويرى أبو المعين أن فعل العبد ليس بخلق، ففعل العبد مخلوق لله تعالى ومفعول لا فعله وخلقه إذ فعل الله تعالى هو الصفة الأزلية القائمة بذاته، وما هو فعل العبد فهو مفعول الله تعالى، والله تعالى هو الذي تولى إيجاده وإخراجه من العدم إلى الوجود، والعبد اكتسبه وباشره، فلم يكن فعل العبد مثل فعل الله لأن فعل الله خلق وإيجاد وفعل العبد مباشرة واكتساب، فلم يلزم التشابه؟ ثم إن المقدور نوعان: مخترع ومكتسب والقدرة تتعلق بالمقدور بجهتين: جهة اختراع يختص بها الله تعالى وجهة كسب يختص بها العبد ولا تشابه بين الاثنين.

وبالنسبة للنقطة الثالثة: فيجوز دخول مقدور واحد تحت قدرة قادرين، لأن الله تعالى هو الذي يقدر العبد ويخلق قدرته، وأن القدرة ليست بداخلة تحت قدرة العبد إذ لو منعت منه لما تمكن من اكتسابها وإذا كان الله تعالى هو الذي يقدر العبد كان محالا أن يقدره على ما لا قدرة له عليه لأن قدرة الله ثابتة ولا تزول باقداره العبد وهذا رد على قول المعتزلة باستحالة وقوع مقدور واحد تحت قدرة قادرين وهذا دليل على جواز مقدور واحد تحت قدرة قادرين.

وأبو المعين يفرق بين القدرتين، قدرة الاختراع وهي لله تعالى، وقدرة الاكتساب وهي للعبد، فتعلق المقدور الواحد بالقدرتين جائز لأن جهة نسبة الخلق ينسب إلى قدرة الاختراع وهي لله تعالى، ومن جهة الكسب ينسب إلى العبد.

وبالنسبة للنقطة الرابعة: في تفسيره لمعنى الكسب والفرق بينه وبين الخلق فيقول البعض إن كل مقدور وقع في محل قدرته فهو كسب، وما وقع لا في محل قدرته فهو خلق واسم الفعل يشملهما. وقيل ما وقع بآلة فهو كسب وما وقع لا بآلة فهو خلق، وقيل ما وقع المقدور به من حيث يصح انفراد القادرين به فهو خلق، وما وقع مقدوره به مع تعذر انفراد القادر به فهو كسب. ويفرق أبو المعين بين خلق الله للعالم من جواهر وأعراض لا تتعلق بها قدرة العباد وبين أفعال موجودة بقدرة الله تعالى ومتعلقة بقدرة العبد من حيث كونها حركة أو سكون أو طاعة أو معصية. الأفعال التي تتعلق بقدرة الله من حيث الإيجاد وقدرة العبد من حيث الكسب هي الأفعال الاختيارية، وهي يتمثل فيها الكسب، وفي هذا إثبات لقدرة الإنسان. ولقد لاحظ أبو المعين اتفاق المعتزلة والقائلين بالكسب بإثبات قدرة للإنسان واختيارا له في فعله، ولكن الخلاف بينهما في التسمية، فالمعتزلة تسمي تلك القدرة خلقا واختراعا والقائلين بالكسب يسمونه كسبا.

يقول الدكتور على عبد الفتاح المغربي: "والواقع أن الخلاف بينهما ليس كما يذكر أبو المعين يقتصر على التسمية فقط بل بالرغم من إثباتهما قدرة الإنسان إلا أن هناك خلافا بينهما مثل طبيعة هذه القدرة ومفهومها وهل هي مرتبطة بقدرة الله أم مستقلة؟ وغير ذلك من الخلافات".

بالنسبة للنقطة الخامسة: وهي إيجاد القبيح ليس قبيحا وهو رد على المعتزلة التي تنفي فعل الله للشرور والمعاصي وأفعال العباد فيها شرور ومعاصي. ويرد أبو المعين على ذلك ويبني رده على أساس أن التكوين غير المكون، فالكفر مكون وتكوينه غيره وكون المكون قبيحا لا يوجب قبح التكوين وعلى ذلك فخلق الله تعالى للكفر ليس قبيحا وهو غير فعل الكفر الذي يكتسبه العبد بفعله وهو قبيح. ويذكر أن جمهور متكلمي أهل الحديث يقولون إن القبيح ما نهي عنه، والله تعالى ليس بمنهي عن إيجاد الكفر، والعبد منهي عن اكتساب الكفر فكان خلقه تعالى غير قبيح وكسب العبد قبيحا.

وبالنسبة للنقطة السادسة: وهي بيان معنى الشركة وهو أن ينفرد كل شريك بماله دون الآخر، وذلك كشركاء القرية والمحلة وهذا المعنى منتقي عن القائلين بالكسب لأنهم يقولون بإثبات شيء مضافا إلى ذاتين وإلى كل منهما بجهة، وذلك مثل أن الله تعالى قد ملك العباد أشياء وتلك الأشياء ملك لله تعالى ملك تخليق، ولم يكن العباد شركاء لله تعالى في الأملاك لما أن ما هو ملك الله بالتخليق هو عينه ملك العبد لثبوت التصرف فيه ولم يكن الله مختصا بملك شيء والعبد بملك آخر ليثبت معنى الشركة.

القدرة وما يتعلق بها من مسائل

إذا كان للعبد قدرة فما هي طبيعة تلك القدرة؟ يذكر أبو المعين رأي الماتريدية في أن الاستطاعة قسمان، أحدهما: سلامة الأسباب وصحة الآلات وهي تتقدم الفعل، وليست علة للفعل، وإذا كان الفعل لا يقوم إلا بها. والثاني: معنى لا يمكن تبنيه وحده بمعنى يشار إليه سوى أنه ليس إلا للفعل وهي عرض يخلقه الله تعالى للعبد ليفعل به أفعاله الاختيارية وهي علة الفعل. والاستطاعة عرض وهي معنى وراء الجسم، وهي غير سلامة الأسباب وصحة الجوارح خلافا لما ذهب غيلان وثمانه الأشرس وبشر بن المعتمر.

والاستطاعة الأولى: وهي الأعضاء السليمة والأسباب الصالحة سابقة على الفعل ولا خلاف على ذلك مع المعتزلة. أما الاستطاعة الثانية: وهي التي بها يتم الفعل فهي ليست سابقة على الفعل بل هي مقترنة بالفعل. وهذا خلاف ما ذهب إليه المعتزلة والكرامية من أنها سابقة على الفعل. ولقد احتجت المعتزلة على أسبقية الاستطاعة للفعل بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ سورة التغابن:16 فينبغي أن يكون كل ما لزم التقوى أن تكون استطاعتها موجودة معه وفيه القول بوجود استطاعة التقوى مع عدم التقوى، إذ غير التقى لزمه التقوى فينبغي أن يكون معه استطاعة التقوى وفي وجود استطاعة التقوى ولا تقوى قول بتقدم استطاعة التقوى على التقوى. وعن صلاحية القدرة للضدين أو عدم صلاحيتها يذكر أبو المعين إجماع من قال: الاستطاعة قبل الفعل أنها تصلح للضدين، فالقدرة الواحدة تصلح للإيمان وللكفر أما القائلين بأن القدرة مع الفعل فلقد اختلفوا. فأبو حنيفة يقول إنها تصلح للضدين على طريق البدل، ومعنى ذلك أن الاستطاعة التي حصل بها الإيمان صلحت له ولا تصلح للكفر إذا اقترنت بالإيمان، لكنها لو اقترنت بالكفر لصلحت له. أما الأشعرية وجميع متكلمي أهل الحديث سوى القلانسي وابن سريج يقولون إن القدرة لا تصلح للضدين، وأن قدرة الإيمان لا تصلح للكفر، وهي غير قدرة الكفر. وأما الماتريدي فلقد توقف في القول بصلاحية القدرة للضدين أو عدم صلاحيتها، ولكنه أميل إلى القول بعدم صلاحية القدرة للضدين. وبالنسبة لأبو المعين فإنه يتابع رأي أستاذه الماتريدي في الميل إلى القول بعدم صلاحية القدرة للضدين.

هذه بإيجاز آراء أبو المعين بالنسبة لخلق أفعال العباد المباشرة، وبالنسبة للأفعال غير المباشرة، وهي الأفعال المتولدة، والتي تحدث بسبب مني وتحل في غيري بدون قصد مني أو اختيار لذلك، فيرى أبو المعين أنها ليست من أفعال العباد بطريق الخلق أو الاكتساب، فهي ليست منهم بطريق الخلق، وذلك لثبوت قدرة الاختراع لغير الله محال، وأيضا ليست بطريق الاكتساب لا يكون إلا بما يقوم في محل قدرته، وعلى هذا لا تنسب هذه الأفعال المتولدة للعباد وذلك لعدم قدرتهم على الاختراع، ولعدم تعلق قدرتهم بما ليس في محل قدرتهم، وعلى هذا فالألم الموجود في المضروب عقب ضرب الإنسان له والانكسار في الزجاجة عقب كسر الإنسان أو من الحركة في الخشبة عقب اعتماد الرجل عليها، كل ذلك مخلوق لله تعالى ولا صنع للعبد فيه، لانعدام قدرة التخليق واستحالة اكتساب ما ليس بقائم بمحل قدرته، وهذا خلاف ما ذهبت إليه المعتزلة. والمقتول ميت بأجله، وليس مقطوع الأجل، وذلك لأن القتل فعل قائم بالقاتل وهو فعل يخلق الله تعالى عقبه في الحيوان الموت وانزهاق الروح، والموت مخلوق الله تعالى في الميت لا صنع للقاتل في المحل، ولكن ليس معنى ذلك انتفاء مسئولية القاتل عن القتل وعدم إيجاب القصاص، فالقصاص يقع على القاتل وذلك لاكتسابه الفعل الذي أجرى الله تعالى العادة بتخليقه الموت عقبه، لا على ما وجد في المحل، أي ليس على الموت وإنما على الفعل المنهي عنه، الذي أجرى الله العادة بحدوث الموت عقبه.

والواقع أن رأي الماتريدية في عدم نسبة الأفعال المتولدة للعباد يرجع إلى رأيهم في انتفاء الضرورة في الأسباب الطبيعية، وإلى موقفهم من خلق الله لأفعال العباد. وبالنسبة لمسألة القضاء والقدر وهي مرتبطة بمسألة خلق الأفعال، فيوضح أبو المعين معناهما، فالقضاء له معان متعددة، فقد يذكر ويراد به الحكم، فيقال قضى القاضي على فلان: وقد يراد به الأمر، قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ سورة الإسراء:23 وقد يراد به الفراغ يقال قضيت أمر كذا، وقد يراد به الفعل - وهو المقصود في هذه المسألة - وقد يراد به الإعلام والإخبار قال تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ سورة الإسراء:4 والمراد من القول الطاعات والمعاصي كلها بقضاء الله أي بخلقه وتكوينه.

ومعنى القدر، يقال على وجهين، أحدهما الحد الذي يخرج عليه الشيء، وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر أو قبح، والثاني بيان ما يقع عليه كل شيء من زمان ومكان وما له من الثواب والعقاب. وبهذا المعنى للقضاء والقدر يكون خلق الله لأفعال العباد من حيث خروج تلك الأفعال على ما لا تبلغه أوهامهم من الحسن والقبح ولا تقدره عقولهم، كذلك لا يحتمل تقدير أفعالهم من الزمان والمكان ولا يبلغه علمهم، فالقضاء والقدر يعني خلق الله تعالى لأفعال العباد. ولقد احتج المعتزلة على القول بشمول القضاء والقدر لكل أفعال العباد، ومن أفعال العباد ما هو كفر ومعصية، وقد أمرنا بالرضا بالقضاء والقدر، فكأننا أمرنا بالرضا عن الكفر والمعصية. ويرد أبو المعين على ذلك ببيان معنى الرضا بالقضاء والقدر، بأن من رضى بجعل الله الكفر باطلا قبيحا فقد رضى بقضاء الله تعالى، ومن لم يرض بذلك فهو غير راض بقضاء الله تعالى، ومن رضى بذلك ولم يرض أن يكون الكفر صفة له ولم يجب أن يفعله في نفسه فقد رضى بقضاء الله ولم يرض بما يوجب نقمته وتعذيبه. ولقد سبق الإشارة إلى قول أبو المعين في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ سورة الزمر:7 وإلى رأيه بأن التكوين غير المكون، والقضاء يتعلق بالخلق والتكوين، والله تعالى قد خلق الكفر وجعله قبيحا، وأمرنا بالرضا بكون الكفر قبيحا.

المصدر: wikipedia.org