اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
السيرة الذاتية الموضوعية الدقيقة مستحيلة التحقيق، الحقائق المقدَّمة فيها إنما هي رؤية تأويلية تقريبية لمجريات الأحداث، إنها حكي استرجاعي موضوعه ذاتُ كاتبها، لكن برؤية غير محايدة تماما. ولأني أُدرك قوة تيارات بحر التأويل في صناعة النصوص وتلقيها، فقد تعمدتُ ألَّا تشبه هذه "السيرة" السِّيَرَ الذاتيةَ التي يحررها الكُتَّاب عن أنفسهم في العادة. لِنعترف بدئيا أنها سيرة تأويلية عرفانية، وهي خطاب أدبي مُرَكَّب امتد تحريره ثلاثين سنة، على تراخ زمني وتَروٍّ صناعي كاف، بنيران تفكير هادئة نضجت معانيه، وبميزان ذهب التأويل عُيِّرت ألواحه ودُسُره.
سيرة أدبية لا تَلُم شعثَ الأحداث الشخصية الصغرى التي لها عُلقَة بالطفولة، وطلب العلم، والأسفار، والوقائع، والأحداث الكبرى في مساري الأدبي فحسب؛ بل تضم مدونةً أدبية شاملةً ذات مداخل شتى، رُسمت بألوان العرفان، سيرة ذاتية روحانية تتقاطع فيها رؤايَ ورؤى "الغافي فيَّ"؛ وهو شخصيةٌ مُحاوِرَة، ومُناورةٌ في مقام النفس الباطنة أو أنايَ الخفية، روحانية لوَّامة غالبا بامتداد أنفاسي وأنفاس التأليف، وأحيانا أخرى أمارة بالسوء.
سيرة تأويل وجودي متعددة المداخل الأدبية والرؤى والأنوال، متنوعة الأساليب، مفتوحة على كل جبهات المعاني الممكنة. بكل تلك التنوعات الأدبية والنصية: الرسائل، واليوميات، والأشعار، والأزجال، والنصوص النقدية، وبما تعمدتُ أن أدرجه مِن بعض ما راسلني به طلبتي، احتفاءً بكلماتِهم الدالة، وترسيخا لروح المحبة والتقدير التي يجدها أهل الأدب مع طلابهم، وامتداداتها الزمنية والروحية بالوفاء والعرفان، راجيا أن يكون ذلك مرجعا نافعا للقراء المؤولين الذين يبحثون عن حقائق مكابدات الكُتّاب، ونور الحكمة في تجاربهم، وتاريخ أفكارهم، وحماستهم المعرفية، ودعوتهم إلى قصدية الأدب الباني، وفلسفة علم المباني، ومناهج الفهم السليم، وبناء الكينونة الدالة، وسيمياء الوجود البليغ.