اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الدَّولَةُ الزِّنكِيَّةُ أو الإِمَارَةُ الزِّنكِيَّةُ أو الدَّولَةُ الأَتَابِكِيَّةُ أو دَولَةُ الأَتَابِكَة، وتُعرفُ اختصارًا وفي الخِطاب الشعبي باسم الزِّنكِيُّون أو الأَتَابِكَة، هي إمارة إسلاميَّة أسَّسها عمادُ الدين الزنكي في الموصل، وامتدَّت لاحقًا لِتشمل كامل الجزيرة الفُراتيَّة والشَّام، ثُمَّ بلغت مصر في عهد الملك العادل نُورُ الدين محمود، الذي ضمَّها على يد تابعه وربيبه يُوسُف بن نجم الدين الأيُّوبي (صلاحُ الدين فيما بعد)، بعد وفاة آخر الخُلفاء الفاطميين أبو مُحمَّد عبدُ الله العاضد لِدين الله دون عقب. تُنسب الدولة الزنكيَّة إلى مُؤسسها عمادُ الدين الزنكي بن آق سُنقُر، وأمَّا تسميتها بِالأتابكيَّة فنسبةً إلى «أتابك»، وهو لقبٌ كان يُلقَّبُ به مُربُّو أبناء سلاطين السلاجقة، ويعني «مُربي الأمير»، وهو لقبٌ منحوتٌ من كلمتين: «أتا» بِمعنى «أب» و«بك» بِمعنى «أمير»، ثُمَّ أصبح هذا اللقب لقب شرف يمنحهُ السلاطين لِلمُقرَّبين من الأُمراء وغيرهم.
نشأت الدولة الزنكيَّة كامتدادٍ لِدولةٍ أُخرى قويَّة قامت في كنف الخِلافة العبَّاسيَّة هي دولة السلاجقة. وقد برزت الدولتان في التاريخ الإسلامي لِدورهما الجهادي في مُواجهة الصليبيين وتوحيد الصف الإسلامي والدفاع عن ديار الإسلام. والزنكيُّون تُركٌ غُز (أوغوز) كما السلاجقة، وكان قيام دولتهم إحدى النتائج الحتميَّة لِتفكك الدولة السُلجُوقيَّة إلى عدَّة إمارات ودُول نتيجة نظام الإقطاعيَّات الوراثيَّة الذي اتبعهُ السلاجقة وأدَّى إلى تمتُّع تلك الإقطاعيَّات بالاستقلال الفعلي بِمُجرَّد ضعف الإدارة المركزيَّة السُلجُوقيَّة بعد مقتل الوزير الكبير نظام المُلك ووفاة السُلطان ملكشاه. وأشهر الدُول التي قامت على أنقاض الدولة السُلجُوقيَّة: سلطنة سلاجقة كرمان، وسلطنة سلاجقة خُراسان، وإمارة حلب، وإمارة دمشق، وسلطنة سلاجقة الروم، وقد اتبعت هذه الدُول نظام الإقطاعيَّات الوراثيَّة بِدورها، ولمَّا كانت بعض الإقطاعيَّات في أيدي أُمراء صغار السن، أو ضُعفاء الشخصيَّة، فقد استبدَّ أتابكتهم بِالحُكم، بعد أن عهد سلاطين السلاجقة إليهم بِتعليم الأُمراء الصغار وتدريبهم. وأشهر الأتابكة الذين استبدُّوا بِالحُكم: البُوريُّون أتابكة دمشق، من نسل الأتابك ظاهرُ الدين طُغتكين، والزنكيُّون أتابكة الموصل وحلب، من نسل آق سُنقُر الحاجب. وقد لعب آل زنكي دورًا مُهمًا في مرحلةٍ بارزةٍ من التاريخ الإسلامي، سادتها النزاعات بين العبَّاسيين في بغداد، والفاطميين في القاهرة، وكانت سمتها النزاع بين الأُمراء، وتبادُل النُفُوذ في الشَّام. فقد ورث عمادُ الدين الزنكي مدينة حلب من أبيه آق سُنقُر الذي كان حاجبًا تُركيًّا لدى السُلطان السُلجوقي ملكشاه، فوسَّع سُلطته وضمَّ الموصل إليه، وأسَّس الدولة الزنكيَّة التي دامت 123 سنة. رفع عمادُ الدين راية الجهاد ضدَّ الصليبيين، فقاومهم وانتزع منهم كُونتيَّة الرُّها وبضعة معاقل مُهمَّة أُخرى وردَّها إلى المُسلمين، ولمَّا تُوفي عمادُ الدين انقسمت الدولة الزنكيَّة إلى إمارتين: إمارة الموصل تحت راية سيفُ الدين غازي، وإمارة حلب أو الدولة النُوريَّة، تحت راية نُورُ الدين محمود، وقد تمكَّن الأخير من انتزاع دمشق من الأتابكة البوريين، ووحَّد الشَّام تحت رايته، وتابع الحرب ضدَّ الصليبيين، فاسترجع أقسامًا من إمارتيّ أنطاكية وطرابُلس.
وفي خِلال الفترة المُمتدَّة بين سنتيّ 1164 و1169م، نشبت فتنة في الدولة الفاطميَّة، فاستنجد الوزير الفاطمي شاور بن مُجير السعدي بِنُور الدين الزنكي لِإخمادها، فوجد نُورُ الدين في هذا فُرصةً لا تُعوِّض لِلسيطرة على مصر وتوحيد الجبهة الإسلاميَّة في مصر والشَّام ضدَّ الصليبيين، وإعادة الوحدة المذهبيَّة بين القطرين بعد أن استقلَّ الفاطميُّون بِمصر طيلة قرنين ونصف تقريبًا، كانت الغلبة فيها لِلمذهب الشيعي الإسماعيلي. فأرسل نُورُ الدين قائد جُيُوشه أسد الدين شيركوه على رأس جيشٍ عرمرميٍّ إلى مصر، فهزم الثائرين فيها وأعاد الأمن إلى رُبُوعها. وفي سنة 1169م، أسند الخليفة الفاطمي العاضد لِدين الله الوزارة إلى شيركوه، بعد قتل شاور بن مُجير الذي حاول الغدر بِالزنكيين، ولكنَّ شيركوه مات بعد شهرين، فخلفهُ ابنُ أخيه يُوسُف بن نجم الدين - الذي اشتهر لاحقًا بِصلاح الدين - وأخذ يُقوِّي مركزه في مصر ويُثبِّت حُكم الزنكيين فيها مُستغلًا ضعف الخليفة الفاطمي. وعندما ردَّ صلاح الدين غارةً قام بها الصليبيُّون من البحر على دُمياط، قوي نُفُوذه في مصر، فاستجاب لِطلب سيِّده نُورُ الدين بِقطع الخطبة لِلخليفة الفاطمي وإعادتها لِلخليفة العبَّاسي، فقضى بِذلك على الدولة الفاطميَّة، وأصبح الحاكم الفعليّ في مصر. وتخوَّف نُورُ الدين من تزايُد قُوَّة تابعه صلاح الدين، فعزم على مُهاجمة مصر لِلقضاء عليه، ولكنَّهُ تُوفي فجأة في دمشق في ربيع سنة 1174م. وفي سنة 1181م مات الصالح إسماعيل، ابن نور الدين، فضمَّ صلاحُ الدين دولته في حلب والموصل. وهكذا نجح في أن يجمع الممالك الزنكيَّة في الشَّام والجزيرة الفُراتيَّة، بالإضافة إلى مصر وغربيّ شبه الجزيرة العربيَّة، في دولةٍ مُسلمةٍ مُوحدةٍ قويَّةٍ تًحيطُ بِمملكة بيت المقدس والإمارات الصليبيَّة من الشمال والشرق والجنوب، وانتقل صلاحُ الدين، بعد ذلك، إلى مُتابعة رسالة الزنكيين بِمُحاربة الصليبيين وطردهم من بلاد المُسلمين. استمرَّت سيادة بقايا الزنكيين قائمة في الموصل حتَّى انتهت تمامًا بِسُقُوط الجزيرة الفُراتيَّة بِيد المغول سنة 1250م عندما خضع آخر أُمرائها بدرُ الدين لؤلؤ لِهولاكو خان لِلحيلولة دون تدمير المدينة وقتل أهلها.
نشطت الحركة العلميَّة والأدبيَّة والثقافيَّة في عهد الزنكيين، وبِالأخص في زمن الملك العادل نُور الدين محمود، الذي اهتم اهتمامًا شديدًا بِالعُلُوم والعُلماء وبالغ في الإنفاق عليهم، رغبةً منه في إعادة بناء دولته بناءً قويًّا على أساسٍ من العلم؛ من هُنا حرص على نشر العلم والتعليم بين الناس، فأمر بإنشاء عدد من مدارس الفقه في شتَّى مذاهبه، لِتكون قبلةً لِطُلَّاب العلم، إيمانًا منه أنه بأنَّ الجهاد ضدَّ الصليبيين لا يُمكن أن تقوم لهُ قائمة إلَّا إذا أُعدَّ الشعب بِالتعليم الديني السليم من جهة، ونُشرت العُلُوم الدُنيويَّة والثقافة بينهم من ناحيةٍ أُخرى. لِهذا ترك الزنكيين ورائهم الكثير من المدارس في مُختلف المُدن التي دخلت ضمن نطاق دولتهم، كما تركوا الكثير من البيمارستانات والمراصد الفلكيَّة وغيرها.
استعان عمادُ الدين الزنكي، خلال فترة انغماسه في أحداث العراق، بِنائبه على حلب سوار بن ابتكين لِمُهاجمة معاقل الصليبيين واسترداد ما تيسَّر من البلاد المُحتلَّة منهم، مُستغلًا أوضاع الصليبيين المُتدهورة. شجَّع سوار بن ابتكين جماعاتٌ مُختلفةٌ من التُركمان المُغامرين على الدُخُول في خدمته، واستخدمهم في قتال الصليبيين استجابةً لِلمطلب الإسلامي العام، فهاجم إمارة إنطاكيَّة في شهر رجب سنة 527هـ المُوافقة لِشهر أيَّار (مايو) سنة 1133م، كما هاجم تل باشر التابعة لِكونتيَّة الرُّها. واستبدَّ الجزع بِأهل أنطاكية الذين استنجدوا بِفولك ملك بيت المقدس، لِإنقاذهم. وتقدَّم هذا الملك نحو مُعسكر المُسلمين في قنَّسرين، وقام ليلًا بِهُجُومٍ مُفاجئٍ على المُعسكر، فأرغم سوارًا على الانسحاب، إلَّا أنَّ الانتصار لم يكن تامًّا، ففي الاشتباكات التي أعقبت ذلك، دمَّر المُسلمون عددًا من القُوَّات الصليبيَّة، غير أنَّ فولك نجح في دُخُول أنطاكية قبل أن يعود إلى فلسطين في صيف سنة 1133م. ولم يكد يُغادرها حتَّى تجدَّدت غارات سوار على مُمتلكاتها. خِلال هذه الفترة، حاول عماد الدين ضمَّ دمشق إلى دولته مُستغلًّا تذمُّر الدمشقيين من صاحب المدينة شمسُ المُلُوك إسماعيل بن بوري بن طُغتكين، وسبب ذلك أنَّهُ كان قد ركب طريقًا شنيعًا من الظُلم وصادر أموال أهل البلد وأعيانها، وبالغ في العُقُوبات، وظهر منهُ بُخلٌ زائد ودناءة نفس. ثُمَّ كاتب عمادُ الدين الزنكي لِيُسلِّم إليه دمشق ويحُثُه على سُرعة الوصول وغايته استخدامه في القضاء على المُعارضة الدمشقيَّة لِحُكمه، وأخلى المدينة من الذخائر والأموال، وأرسل إلى زنكي يحُثُّه على الوُصُول وحذَّره إن أهمل المجيء سلَّم البلد إلى الصليبيين. فامتغص أصحاب أبيه وجدِّه منه، وذكروا الحال لِوالدته صفوة المُلك زُمُرُّد خاتون، فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالرَّاحة من هذا الأمر. ثُمَّ أمرت غلمانها بِقتله فقتلوه في شهر ربيع الآخر سنة 529هـ المُوافق فيه أوائل شهر شُباط (فبراير) سنة 1135م. ضمَّ عماد الدين مدينة الرقَّة وهو في طريقه إلى دمشق، ولمَّا بلغ المدينة سالِفة الذِكر رفض أهلها تسليمها وأصرّوا على المُقاومة، فضرب الحصار عليها، لكن لم يلبث أن وصل رسول الخليفة المُسترشد بِالله يأمر عماد الدين بِفك الحصار عن دمشق ومُصالحة صاحبها الجديد، ففعل ما أُمر به في آخر شهر جُمادى الأولى سنة 529هـ المُوافق فيه شهر آذار (مارس) سنة 1135م، وانصرف إلى قتال الصليبيين في أنطاكية.
سار عمادُ الدين على رأس كُل جُيُوشه إلى أنطاكية، بعد أن أنهى مشاكله مع أتابكيَّة دمشق، وهو يعقد العزم على استردادها لِلمُسلمين، بينما أخد نائبه سوار بن ابتكين يُهدد تل باشر وعينتاب وأعزاز التي شكَّلت الخط الدفاعي الذي يحمي أنطاكية من هجمات المُسلمين، فقطع سُبُل الاتصال بين جُيُوش أنطاكية والرُّها. وتجاوز عمادُ الدين في زحفه ما يقع على الحد الشرقي لِأنطاكية من الحُصُون، أمثال كفرطاب ومعرَّة النُعمان وزردنا، ففتحها الواحدة بعد الأُخرى، وبِذلك فقدت أنطاكية معاقلها على الحُدُود. ورأى عماد الدين أنَّ خير وسيلةٍ يستدرج بها الصليبيين وتُتيح لهُ تولِّي زمام المُبادرة، هو أن يتظاهر بِمُهاجمة حصن بعرين الصليبي الضخم الواقع على المُنحدرات الشرقيَّة لِجبال النُصيريَّة، والذي يحرس المنفذ المُؤدِّي إلى البقيعة. وإذ ضرب الحصار عليه لم يكن بِوسع ريموند الثاني أمير أنطاكية التصدي له بِمُفرده، فأرسل إلى بيت المقدس يطلب النجدة من الملك فولك. وفعلًا هرع هذا الملك بِكُل ما استطاع أن يحشده من الرجال لِلحاق بِريموند حتَّى بلغا سويًّا حصن بعرين. ويبدو أنَّ الرحلة كانت شاقَّة، فقد أصاب جُنُودهما التعب والإرهاق، فاستغلَّ عماد الدين سوء أوضاعهما وفاجأهما. ودارت بين الطرفين رحى معركة شديدة انتهت بانتصار المُسلمين، ولقي مُعظم الصليبيين مصرعهم في ساحة المعركة، ووقع آخرون في الأسر، منهم ريموند الثاني، بينما فرَّ فولك إلى الحصن. ضرب المُسلمون حصارًا شديدًا على الحصن المذكور حتَّى استبدَّ اليأس بِالملك فولك وانقطعت عنهُ أنباء العالم الخارجي وتناقصت مؤونته، في الوقت الذي كانت فيه مناجيق المُسلمين تقذف أسوار القلعة ليلًا ونهارًا، الأمر الذي أرغمه على طلب الصُلح، فأجابهُ إليه عمادُ الدين وسمح لهُ ورجاله بِالخُروج إلى حيثُ يشاؤون، وتسلَّم الحصن.
ضمَّ عمادُ الدين الزنكيّ دقوقا في سنة 531هـ المُوافقة لِسنة 1137م عنوةً، ودخل بعد ثلاث سنوات قلعة شهرزور الواقعة وسط سهلٍ واسعٍ يمتد من أربيل إلى همذان، ويقطنه الكُرد. وقد ارتبط هذا الضمُّ بِالمدى الذي وصلت إليه العلاقات بين الأمير قفجاق بن أرسلان تاش التُركماني حاكم شهرزور، وبين السُلطان السُل