English  

كتب دورة مواريث

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

دور التراث (معلومة)


دور التراث الفقهي

العالم الإسلامي بحاجة إلى تحديد دقيق لمنهج الاستنباط الفقهي المعاصر؛ وهو يسعى إلى البناء على المدارس الفقهية التي تبلورت في القرون الثلاثة الأولى ، وتضخم نتاجها في عصور الاجتهاد حتى أقفل باب الاجتهاد. أم يتحرر من تلك المدارس ونرتبط بمصادر التشريع الأولى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ معالج مشاكله على ضوئها، متخطي جهود المدارس الفقهية الأولى بحكم الفاصل الزمني بينها وبين العصر؛ حيث كان وقف الاجتهاد سبباً لهذا الانقطاع؟!..

إن ثمة أصواتاً قوية تنادي بالعودة إلى الكتاب والسنة والأخذ عنهما مع الإفادة من مناهج السلف في الاستنباط والفهم، وعدم إهمال التراث الفقهي العظيم؛ بل الإفادة منه بمرونة دون أن يحل محل الكتاب والسنَّة، ودون أن يقف موازياً لهما في قوة الإلزام، وهذه الدعوة تحتاج إلى أن تقترن بدعوة موازية، وهي: التحذير من الاجتهاد في دين الله دون علم، ودون ضوابط أصولية، ودون استكمال العدة اللازمة للمجتهد القادر على الترجيح، فإن العودة إلى ينابيع الشريعة والاستقاء منها مباشرة دون ضوابط دقيقة وكفاءة عالية يؤدي إلى الفوضى الفكرية والدينية والفقهية؛ ويملأ مجتمعنا بالمفتين والمجتهدين المتعارضين في أقوالهم واجتهاداتهم؛ وقد بدت طلائع هذه الفوضى في بعض المجتمعات الإسلامية المعاصرة ، حيث فقد الشباب الثقة بعلماء بلدهم؛ فمضوا إلى القرآن والسنة يسعون إلى فهمهما، والاستنباط منهما مباشرة دون معرفة بأصول الفقه ومصطلح الحديث، ودون غوص في علوم اللغة العربية ومعرفة أسرارها البلاغية، ومنظومتها النحوية.

ونظراً لبعدنا عن السليقة وتطور لغتنا وأساليب كتابتنا الحديثة، ولصعوبة بناء الثقافة اللغوية والشرعية التي تمكن من فهم القرآن الكريم والسنة النبوية دون الاسترشاد بالمتخصصين من العلماء؛ مع سعة دائرة السنة وصعوبة الإحاطة بها، ووقوع الضعيف في كثير من دواوينها، ووجود الناسخ والمنسوخ فيها، وبعض الأحاديث المطلقة تقيدها أحاديث أخرى، وبعضها ظاهرها العموم لكن أحاديث أخرى، تخصصها، ولذلك فإن ثمة صعوبات بالغة تواجه محاولات الأخذ المباشر من الكتاب والسنة دون ترشيد من العلماء بل ودون إفادة أحياناً من التراث الفقهي الذي يوضح فهوم العلماء والمجتهدين الأفذاذ لهذه الآيات والأحاديث في عصور الاجتهاد.

إن بعضنا صار يتوهم في تصوره للإسلام بسبب انكبابه سنوات طويلة على أحاديث جزئية معينة من جزئيات العقيدة أو الشريعة فيقصر الإسلام عليها، فالذي يبحث في أحاديث الوضوء سنين طويلة متى يدخل في الصلاة؟ والذي يمضي حياته في دراسة العقيدة متى يدرس الشريعة؟ والذي يدرس أحكام العبادة طيلة وقته متى يعرف أحكام المعاملة؟

إن الفهم القاصر والتشويش الظاهر أثر من آثار التلقي المباشر من الكتاب والسنة دون ترشيد من العلماء . . وليس معنى ذلك النكوص عن أصل المنهج، وإنما التنبيه على أهمية إعداد العدة والتسلح بالعلوم اللازمة قبل أن يتحول طلبة الجامعات إلى مفتين وفقهاء ومجتهدين؛ ففي ذلك جرأة عظيمة على الله ودينه.

وكان معظم علماء السلف يتورع عن الفتيا مع امتلاك الأدوات العلمية خوفاً من الخطأ؛ فكيف بمن لا يملك شيئاً من تلك الأدوات بل لا يملك أحياناً سوى صحيح البخاري أو الكتب الستة؟ ويرى نفسه أهلاً للاجتهاد والترجيح بين الآراء وإصدار الفتاوى!!

إن الدراسة المتأنية لواقعنا الثقافي تؤكد على حالات التمزق والتمرد على واقع الثقافة وخاصة في الجوانب الإسلامية، ولن تستقر النفوس وترسو سفينة الأجيال إلاَّ إذا ظهر علماء يتسمون بسعة الدائرة العلمية، وعمق الوعي الحضاري والورع والإخلاص لله تعالى ليحتضنوا الأجيال الصاعدة، ويوثقوا صلتهم بها، ويأخذوا بأيديهم إلى منارات الإسلام ومعالم الحق والإيمان.

وهنا يقدم التراث صوراً دقيقة لوسائل إعداد العلماء، ولمناهج العلوم الإسلامية، ولأهداف التعليم وأساليبه بشكل نظريات شمولية في المؤلفات المتخصصة، أو مؤسسات تطبيقية تمثلت في المدارس والجامعات الإسلامية، وقبل ذلك في حلقات العلماء في المساجد، ثم بشكل نماذج من العلماء من عصور مختلفة قاموا بمسؤوليتهم في طرح الحلول الشرعية (الأحكام الفقهية) لمشاكل مجتمعاتهم في عصور التاريخ الإسلامي المتعاقبة.

دور التراث الاجتماعي

أن التراث الإسلامي بحاجة إلى قيم أخلاقية ومثل عليا يرسي عليها قواعد الحياة الاجتماعية، ويضبط بها سلوك الأفراد والجماعات، ولا شك أن الاعتماد على القيم السائدة ليس فيه كبير غناء، إذ أن القناعات القائمة صارت تزعزعها أعاصير الحضارة الغربية وقيمها الفلسفية والاجتماعية دون أن تتمكن من الصمود .. ذلك لأن بعضها توارثته الأجيال دون فحص لجدواه وصلاحه، ولا يستطيع إرجاع الكثير منها أصول صحيحة مستمدة من القرآن والسنة.

وما له أصل من الكتاب أو السنة شابته شوائب وعلقت به عوارض شوهت صفاءَه وأضعفت الثقة به .. من أجل ذلك لا بد من العودة إلى الجذور.

وإذا كانت مصادر العالم الإسلامي الموثقة من القرآن والسنة تعطيه نظرية خُلقية عميقة وشاملة وفعالة.. فإن التراث أدباً وتاريخاً واجتماعاً يقدم النماذج والتطبيقات التاريخية التي تعمق القيم الخلقية الإسلامية في قلوب الجماهير، وتعطيها أبعادها التفصيلية المتنوعة، على أن التراث يحتاج إلى عملية إفراز واختيار إذ فيه شوائب كثيرة، وانحرافات عن التصور الصحيح نتيجة التفاعل بين أذواق الكتَّاب والفكرة الإسلامية .. وعدم التزام العديد منهم بتصوير القيم القرآنية بدقة.

إن الانحراف قد يرجع إلى عدم استيعاب تلك القيم، ولكنه أحياناً يبدو انحرافاً مقصوداً مخططاً له من قبل القوى المعادية للإسلام عبر الصراع التاريخي الطويل.

إن العودة إلى الجذور لإحياء القيم الأخلاقية صارت ضرورة حتمية لحياتنا المعاصرة؛ قبل أن تفقد الهوية الخُلُقية ونذوب وسط المادية ونظرياتها الوصفية. إن (الحلال والحرام) لا يزالان يحكمان في الكثير من جوانب الحياة، حتى بعد اختفاء علاقتهما بالدين في أذهان الملايين من المسلمين الذين لم يعد يربطهم بالإسلام سوى أسمائهم العربية!!

أن صوت الضمير مهما بدا خافتاً لكنه لا يزال يؤثر في (اللاشعور) ويؤدي إلى الإحجام عن الجريمة أحياناً أو التخفيف من أضرارها على الأقل أحياناً أخرى.

دور التراث الثقافي

أ - انحراف المنهج الاستشراقي في الدراسات الإسلامية والدعوة إلى إحياء المنهج الإسلامي في البحث العلمي:

إن حركة الإحياء في الغرب بدأت من الداخل، وتشكلت أبعادها وأهدافها، وتم تنفيذها على يد الغربيين وفق مناهج محددة وضعت لهذا الغرض.

أما إحياء التراث ـ بمعناه الضيق المتصل بنشر المصادر الكلاسيكية للثقافة العربية الإسلامية ـ فبدأ على يد الاستشراق الذي كانت له أهداف خاصة في التعرف على شعوب المنطقة تعرفاً صحيحاً ينفذ إلى الجذور ، ويتابع الفروع، ثم يتدخل في التخطيط والتوجيه.

لقد استخدم المستشرقون منهج البحث الغربي في دراسة الإسلام قرآناً وحديثاً وحضارة وتاريخاً، وكان منهج البحث في الكتب المقدسة (التوراة والإنجيل) قد تبلور على يد العلماء الألمان خاصة مُمثَّلاً بالمنهج النقدي (Criticism Method) ثم ساد بين علماء الغرب جميعاً فأعملوا مباضعهم في تراثنا مطبقين عليه منهجهم، وصدروه إلينا بشكل دراسات، ظاهرها: العلم والموضوعية والتجرد، وباطنها: التعسف والجهل والتعصب[؟]، وأول ذلك التعسف تطبيق منهجٍ وضع ليتحكم في تراث صاغته يد البشر في كتاب هو من وحي السماء لم تصغه أيدي الأتباع، وفي تراث يختلف شكلاً ومضموناً ورحاً عن تراث الغرب.

وماذا سيحدث لو عكسنا الأمر وحكَّمنا مقاييس المنهج الإسلامي في تراث الغرب؟ ماذا لو اعتمدت شروط المحدِّثين في قبول الرواية، بأن تكون من نقل العدل الضابط إلى منتهاه؟ ماذا لو حكَّمنا هذا المقياس في التاريخ الأوروبي؟ هل يسلم ثمة شيء؟

وللإنصاف يطرح السؤال بنطاق أضيق، بقول: ماذا لو حكَّمنا هذا المقياس في دراسة الكتب الدينية، كالتوراة والإنجيل والتلمود (شرح التوراة)؟؟!

وبالطبع فإن هذا كان سيحدث لو استمر زمام الحضارة بيد المسلمين، ولم ينتكسوا حضارياً منذ قرون طويلة.

إن أية قراءة في (المفصل) لابن حزم أو (هداية الحيارى) لابن القيم؛ ستوضح أن إعمال المنهج الإسلامي في دراسة عقائد وأديان النصارى واليهود ستهدم معظم جوانبها وتشكك بها دون تعسف ولا تعصب.

ب - الدعوة إلى إحياء منهج البحث الإسلامي:

الدعوة إلى إحياء منهج البحث الإسلامي والعمل على تطويره؛ ذلك المنهج الذي انبثق عن الوحي الإلهي، قال تعالى:  ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا    . ففي هذه الآية يبين الله عز وجل مسؤولية حواس الإنسان عن العلم، وينهاه عن قول ما لا يعلم، وقد ذهب المفسرون إلى حصر حدود المسؤولية في نطاق العلاقات الاجتماعية، فذكروا النهي عن رمي الناس بمجرد الظن والتوهم والشهادة عليهم بغير الحق، فذلك معنى قوله تعالى: (ولا تقفُ) عندهم؛ لأن أصل القَفْوِ: البهتان.

ولكن معنى الآية يتسع لأكثر من نطاق العلاقات الاجتماعية، فنهْيُ الإنسان عن قول ما لا يعلم هو أمر له بالسعي في التحقيق وطلب البرهان والدليل كما في قوله تعالى:  وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ    ـ  أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ    . فالجهل يفضي إلى الكذب كما في قوله تعالى:  بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ    . من أجل ذلك رفع الله قدر العلماء فقال:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ    .

وقد أدَّت هذه التوجيهات القرآنية إلى توصل المسلمين في القرون الأولى الزاهرة إلى مناهج دقيقة للبحث العلمي، فاكتشفوا العلاقات السببية، والقوانين الطبيعية، والعلوم الرياضية عن طريق اتباع منهج البحث التجريبي الذي سبقوا الأوروبيين إليه بعشرة قرون؛ ولكنهم للأسف تخلوا عنه بعد ذلك، في حين أخذه عنهم الأوروبيون منذ مطلع عصر النهضة الأوروبية، وقاموا بالإضافة إليه وتطويره حتى أثمر النتائج العلمية والصناعية الضخمة التي تتسم بها المدنية الغربية المعاصرة.

دور التراث السياسي

كيف ترسخ معاني الوحدة بين أمة الإسلام؟ وما أثر التراث في ذلك؟

لقد اعتبرت الدراسات الاستشراقية، وتابعها كثير من المؤرخين العرب، قيام الدويلات في العصر العباسي الثاني سبباً لانتعاش الحركة الفكرية والحضارية في العالم الإسلامي، وقد بولغ في ذلك؛ إذ كيف يكون ضياع وحدة العالم الإسلامي السياسية عاملاً في تقدمه الحضاري؛ حتى كأننا نرسب في عقول الأجيال الإسلامية أن التمزق السياسي له مزايا من حيث يدري أو لا يدري.

ألا ينبغي دراسة الأسباب وفق القوانين الاجتماعية وسنن نشأة الدول وارتقائها وضعفها؟ الدورة التاريخية كما يشرحها ابن خلدون. أو عوامل ازدهار الحضارة وضمورها وفق عوامل التحدي كما يطرحها توينبي. وإذا كنَّا لا نقبل هذين التفسيرين في تعليل تاريخ الحضارة الإسلامية. فلماذا لا نعود إلى التصور الإسلامي المنبثق عن القرآن والسنة للتعرف على أسباب انهيار الحضارات التاريخية .. وتطبيق ذلك على الدولة العباسية؟

لذا التراث بحاجة إلى نظرية شاملة للتفسير التاريخي. وقد آن الأوان لدراسة التاريخ دراسة علمية بعيدة عن الارتجال.

  • ما هي عوامل التوحيد في الدولة العباسية أيام قوتها؟ وكيف نازعتها القوى المحلية وانتهت إلى التجزئة؟
  • ما هو الموقف النظري (المنبثق من الدين) مما أصاب الوحدة من أخطار التجزئة؟
  • ما هي الأضرار التي نجمت؟ وما الفوائد التي حصلت، إن كان في التجزئة فوائد؟

ويعتقد بأن التنظير في العصر العباسي كان عاجزاً عن مواكبة التقدم، وأن تغذية الجمهور بمعاني الوحدة كان ضعيفاً .. بمعنى تخلف الفكر السياسي عن مواكبة الأحداث، رغم تميزه عن الفكر السياسي الوضعي باستقائه من الوحي. لكن المهم أن تسري معاني الوحي في القلوب والعقول؛ فتتشرب الشعوب بالوحدة وتحافظ عليها من منطلق العقيدة، وتقاوم عوامل التجزئة والتشرذم التي تقف وراءها الأنانية الفردية والجماعية بنزعاتها المحلية.

وبالطبع عند الكلام عن تخلف الفكر السياسي وخاصة في التنظيم فينبغي أن لا ننطلق من مفاهيم ونظم القرن العشرين. وإنما تتم المقارنة مع الكيانات الأخرى المعاصرة للعباسيين، مثل: الدولة البيزنطية والصين.

وأيضاً فإن التجربة الإنسانية لها دور كبير في استيعاب مفاهيم الوحي الإلهي من ناحية، وفي إيجاد الوسائل الكفيلة باستمرار تأثير الوحي على الحياة من ناحية أخرى.

ومن هنا فمن الخطأ في نقد الوضع السياسي في العصر العباسي أن يقاس بدول القرن العشرين مثلاً. فوسائل الاتصال والانضباط الآن أقوى بكثير منها في العصور الذهبية الإسلامية، والعصور الوسطى الأوروبية، ولا يتنافى هذا القول مع خيرية القرون الأولى فهي خيرية التقوى، وتَمَثُّل روح الإسلام في الواقع بصورة لا يمكن بلوغها في الأعصر اللاحقة من حيث (النوعية)؛ ولكن يمكن تحقيقها بنطاق كمي أوسع بحكم قوة وسائل الاتصال التي تقدمت كثيراً. وبحكم نمو التجربة الإنسانية أو الرشد الإنساني المستمر؛ والذي سيلتقي في نهاية المطاف مع الوحي الإلهي في جوانب كثيرة.

وعلى وجه التحديد:

  • هل كان النظام الإداري (غير المركزي) سبباً في تنمية الحركات الانفصالية؟
  • هل كانت الحرية الثقافية أو الاقتصادية للشعوب التي تضمها الدولة سبباً في ذلك؟
  • هل أن ضعفَ العقيدة ومعاني التوحيد سبب في التمزق السياسي؟
  • هل أدَّت القيادات الضعيفة في تكوينها الروحي والعقيدي دوراً في تمزيق الدولة؟
  • هل كان للشعوبية وبقية التيارات المعارضة أثر في ذلك؟
  • ما مدى إخلاص الخلفاء والوزراء والولاة وأصحاب مراكز القوى المتنفذين الآخرين لوحدة العالم الإسلامي؟
  • ما هو موقف الفقهاء الذين كانوا يُنَظِّرون للدولة الإسلامية؟
  • ما هي الأفكار التي سادت الحياة السياسية والتي غذتها المدارس الفكرية ومؤسسات التعليم المتنوعة من كتاتيب ومساجد ومدارس على مستويات متباينة؟
  • ما هي وسائل الاتصال المتاحة لتثقيف الناس ونشر الوعي ومفاهيم التوحيد والوحدة؟
  • ما دور تخلف الوعي في تمزيق وحدة العالم الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري؟ وما دور التباين في المستوى الاقتصادي لأقاليم العالم الإسلامي في تفتيت الوحدة السياسية؟
  • وما دور القوى المحلية؟ وما دور القوى الخارجية (الروم[؟] مثلا) في تغذية الحركات الداخلية المقاومة للوحدة وللإسلام معاً؟
  • وما هي الصيغة المناسبة لإعادة وحدة العالم الإسلامي الروحية والفكرية والسياسية والاقتصادية من خلال دراسة الوحي ودارسة والواقع التأريخي؟
  • ماذا يقدم التراث ودراساته لعالم اليوم ـ وللعالم الإسلامي المعاصر بالذات ـ في حقل الفكر والتجربة التأريخية؟

لعل من أهم ما يظنه العديد من المؤرخين من إيجابيات ظهور الدويلات هو نمو الحركة الفكرية؛ بسبب التنافس على العلماء وتقديم الإغراء المادي لهم للالتحاق بهذه الدويلة أو تلك!

ولكن هل كان التمزق السياسي هو الوسيلة الوحيدة لإنعاش الفكر؟ وهل تخلف الفكر عندما كانت الدولة واحدة في العصر الذهبي؟ وهل ظهرت مدارس الفقه المتنوعة إلاَّ في العصر الذهبي؟ وهذا الازدهار ينطبق على مجالات الحركة الفكرية الأخرى.

إن ما حدث من ازدهار فكري في القرن الرابع الهجري هو ثمرة طبيعية للتطور التاريخي للحركة الفكرية، وكان يمكن أن يكون الازدهار أعظم لو صاحبته الوحدة السياسية، فلا يمكن لأجواء الفتن والحروب الداخلية وما تتطلب من نفقات اقتصادية وبشرية أن تدفع للازدهار الفكري .. إن الإسلام يوحد الطاقات الداخلية ويصَرِّفها في حركة الجهاد . .

فهل كان لضعف حركة الجهاد أثر في نمو الحركات الانفصالية؟ ربما لم يكن استنهاض الأمة يتم بالقدر الكافي لمواجهة العالم الخارجي؛ ويرجع ذلك إلى غياب الوعي أو ضعفه أو عجز وسائل الاتصال المتاحة آنذاك عن توجيه الأمة في العالم الإسلامي الفسيح.

إن الوحدة الإسلامية تقوم أساساً على بناء شخصية المواطن المسلم، وتعميق انتمائه للأمة الإسلامية، وتجاوزه للوطنية والإقليمية والقومية وتمايزه عن الأممية والعالمية.

والتعليم هو الوسيلة لصياغة هذه الشخصية، وإذا كان التعليم في المراحل الابتدائية والثانوية يغرس الإرث الثقافي للأمة؛ فإن التعليم الجامعي يبلور ذلك ويفلسفه بسبب الارتقاء العقلي للطالب وازدياد قدرته على التجريد.

إن المطلوب من الجامعات الإسلامية إذَنْ أن تُقَوِّي في نفوس طلابها الانتماء لأمة الإسلام، وَتُكَوِّن شخصياتهم وثقافاتهم وفقاً للعقيدة والشريعة.

وقد كان التعليم الإسلامي في حلقات المساجد وبيوت العلماء في القرون الخمسة الأولى للهجرة ناجحاً في هذه المهمة؛ فرسخ العقيدة والشريعة ونشر اللغة العربية في ما بين وراء النهر وطنجة ... فهل تقوى الجامعات الإسلامية ـ وإمكاناتها أكبر من إمكانات العلماء في القرون الأولى .. والتحديات أمامها أخطر أيضا ً ـ هل تقوى على صياغة الشخصية وتحقيق الانتماء إلى الأمة الإسلامية؟

المصدر: wikipedia.org