اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لا تكاد تجد حقبة هامة في تاريخ المغرب العربي الكبير إلا وبجاية تشكل محور أحداثها، فدولة الموحدين التي يمكن اعتبارها مرحلة حاسمة في تاريخ الأمة الإسلامية في جناحها الأفريقي انبثقت نواتها الأولى في بجاية، أو قريبًا منها، ذلك أن عبد المؤمن بن علي الكومي الندرومي الجزائري التقى المهدي ابن تومرت المصمودي في مسجد ملالة الذي يبعد نحو ستة أميال عن بجاية، وقررا الإطاحة بالدولة الزيرية في تونس، والدولة الحمادية في الجزائر، والدولة المرابطية في المغرب، فقد شاخت، وهزمت جميعها، ودب فيها الفساد والانحلال، حتى قال عنها ابن خلدون: "استرجلت فيها النساء، وتأنث فيها الرجال، وانقلبت المفاهيم، وانعكست الآية .."، ومن ربوع بجاية انطلقت دولة الموحدين تقوِّم الاعوجاج، وتعيد الأمور إلى نصابها، وتوحد المسلمين في الشمال الأفريقي والأندلس.
دخل العثمانيون الجزائر من بوابة بجاية، ففي حدود عام 914هـ / 1510م غزا الإسبان بلاد المغرب العربي، واحتلوا مدن سبتة ومليلة ووهران والمرسى الكبير والجزائر وبلغوا بجاية، وكان عليها يومئذ صغيران ضعيفان يتازعان السلطة (عبد الرحمن وعبد الله) فاستعان كل منهما ضد الآخر بالإسبان -على طريقة ملوك الطوائف في الأندلس، مما سهل مهمة الأعداء في دخول المدينة، وتدميرها والقضاء على أميريها وعمرانها، الأمر الذي دفع نفرًا من علمائها أن يذهبوا إلى تونس، ويدعوا أربعة أخوة عثمانيين، هم عروج وخير الدين وإسحاق وإلياس، للقدوم إلى بجاية وتنظيم بحريتها، وتوحيد صفوف المقاومة فيها، وتخليصها من الإسبان، إذ لم تكن الدويلات المغربية في ذلك الوقت من القوة بحيث يمكنها صد المستعمرين.
ولما جاء الإخوة العثمانيون إلى بجاية نظموا البحرية، وأرسوا دعائم قيام دولة حديثة، ثم دُعوا إلى مدينة الجزائر، فأسس ثلاثة منهم فيها (حيث كان رابعهم وهو إلياس قد استشهد في بجاية) الدولة العثمانية الحديثة، وكانت دولة مستقلة تمامًا عن الدولة الأم، وكان كل ما يصدر عنها، يصدر باسم (الجزائر المحروسة) ولقد دافع العثمانيون بأساطيلهم وبحريتهم التي أعادوا تنظيمها في بجاية عن شواطئ المغرب العربي كلها والأندلس.
وقد تحامل بعض المؤرخين الغربيين، أمثال شارل فيرو صاحب كتاب تاريخ المدن على دور العثمانيين لمدينة بجاية، وإعادتها مركز إشعاع ثقافي حضاري كما كانت في عهد الحماديين، وزعم هؤلاء المؤرخون أن بجاية جردت من عظمتها كلها خلال العهد العثماني، ولم تعد تؤدي سوى دور ثانوي في مصير أفريقيا الحديثة، ويعزون ذلك إلى أن المدينة وقد خضعت للاستعمار الإسباني قرابة نصف قرن من الزمان تعرضت معاملها الثقافية والحضارية خلالها للإهمال، وتهدمت أحياء كثيرة منها، وتقلص عدد سكانها بنسبة كبيرة جدًا، ولما جاءها العثمانيون وطردوا الإسبان منها كانت قد فقدت كثيرًا من العوامل التي تستطيع أن تصل ماضيها بمستقبلها.
ويعتقد المؤرخون أن العثمانيين كان بإمكانهم أن يجعلوا من بجاية مقرا لحكومتهم حيث تتوفر فيها الشروط الضرورية لجعلها مؤسسة بحرية قوية، ولكنهم اكتفوا بجعلها إحدى الموانئ التي تحتمي فيها سفنهم خلال فصل الشتاء.
ويلتمس بعض المؤرخين العذر للعثمانيين في عدم اهتمامهم بالجانب الثقافي الحضاري في بجاية، ذلك أن العثمانيين كانوا في الأصل عسكريين كرسوا جل همهم في توفير القوة الحربية. وأيّا ما كان الأمر -وكما يقول بعض المهتمين بتاريخ الجزائر- فإن الجزائر والمغرب العربي كله، وكثير من دول البحر الأبيض المتوسط مدينون لمدينة بجاية وعلمائها الذين كانوا سببًا في تأسيس الدولة العثمانية الجزائرية التي دافعت وحمت وطردت الإسبان، وحافظت على الحضارة الإسلامية في هذه الرقعة من العالم الإسلامي.
قاومت بجاية واستعصت كثيرًا على الغزاة الفرنسيين الذين لم يتمكنوا من احتلالها في عام 1834م إلا بعد أن استخدموا آخر ما انتجته مصانعهم من أسلحة الدمار في ذلك الوقت، ولكنها لم ترضخ أو تستلم للاحتلال.
بل مضت تقاوم المحتلين وتحرض المؤمنين على القتال، وتعد العدة لذلك، روحيا وسياسيًا وعلميًا، وكانت الزوايا، وكتاتيب القرآن خلايا، تنطلق منها كتائب الجهاد، وشهدت ربوع بجاية تفجر ثورات عديدة، لعل من أبرزها ثورة عام 1871م التي قادها محمد المقراني والشيخ بلحداد -وعمره يومئذ ثمانون عامًا- يعاونه ولداه (عزيز ومحمد) وأتباع الطريقة الرحمانية التي كان بلحداد أبرز مشايخها، وبالرغم من أن الفرنسيين تمكنوا من إلقاء القبض على قادة الثورة في غضون عام تقريبا، إلا أنها انتشرت بسرعة في مختلف المناطق، وبقيت مستمرة حتى قال عنها بعض المؤرخين: "إنها أطول ثورةٍ وأشعلها".
وفي مرحلة ما قبل الاستقلال كان لبجاية دورها العام في التحصين والإعداد والتحريض والتخطيط للثورة المنظمة، التي تفجرت في فاتح تشرين الثاني / نوفمبر 1956م فالمؤتمر الأول لجبهة التحرير الوطني الذي عرف بـ "مؤتمر الصومام" وكان إيذانًا ببداية مرحلة جديدة في جهاد الشعب الجزائري عقد بمكان غير بعيد من بجاية. (الصومام: هو واد يشق مجرى نهره جبال منطقة القبائل الصغرى ويصب في البحر الأبيض المتوسط بالقرب من بجاية).
ففي قرية إيفري التابعة لبلدية أوزلاقن، وفي موقع على رأس جبل يرى منه ما حوله، مفرط في الإيغال في الابتعاد عن الطرق المعهودة، شديد الانزواء وراء القمم والأعالي، يدل اختياره على عقلية عسكرية فذة، كان يتمتع بها المجاهد الجزائري، في هذا الموقع عقد مؤتمر الصومام في 20 آب / أغسطس 1956م، ومن ثم انتظمت الثورة كل شبر على أرض الجزائر، وامتدت إلى أن قضى الله أمرًا كان مفعولًا.