اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لعبت المنافسة الإقليمية دورًا هامًا في الحروب الضارية التي اندلعت في أمريكا الإسبانية نتيجةً لقرارات المجلس العسكري الأعلى. أدَّى اختفاء سلطة مركزية إمبراطورية -وفي بعض الحالات اختفاء حتى السلطة المحلية المَلَكية (كما في حالات ولاية غرناطة الجديدة وريو دي لا بلاتا)- إلى ظهور فترة طويلة من البلقنة في العديد من مناطق أمريكا الإسبانية. ولم يكن من الواضح أي الوحدات السياسية التي ينبغي أن تحلّ محلّ الإمبراطورية، ولم تكن ثمَّة أمة جديدة تساوي الحس التقليدي بكونهم إسبان. ناشد المجلس العسكري الأعلى عام 1810 أولًا ذلك الحس التقليدي الإسباني والذي وُضِع إلى جانب التهديد الفرنسي; ثانيًا، ناشد الهوية الأمريكية العامة والتي وُضعت إلى جانب شبه الجزيرة التي أصبحت تابعة للفرنسيين; وثالثًا، ناشد فكرة الانتماء للمقاطعات المحلية والانتماء الوطني. وفي أغلب الأحيان، سعى المجلس العسكري إلى الحفاظ على استقلال الإقليم عن عاصمة الولاية السابقة واستقلال شبه الجزيرة بحد ذاتها. نشبت نزاعات مسلحة بين المقاطعات حول مسألة خضوع أي منها لأقاليم أخرى بالطريقة ذاتها عندما استولت عليها المَلَكية. وقد اتَّضحت هذه الظاهرة على وجه التحديد في مقاطعتي غرناطة الجديدة وريو دي لا بلاتا. دفعت هذه المنافسة بعض المناطق إلى تبنِّي القضية السياسية المعارضة من جانب منافسيها. ويبدو أن البيرو قد حافظت على قوتها المَلَكية إلى حد كبير بسبب تنافسها ضد ريو دي لا بلاتا، لكنها فقدت السيطرة على منطقة البيرو العليا عندما ضُمَّت إلى المَلَكية عام 1776. وقد سمح إنشاء مجلس عسكري في ريو دي لا بلاتا باستعادة البيرة سيطرتها الرسمية على البيرو العليا طوال فترة الحرب.
إن استعادة فيرناندو السابع كانت بمثابة تغيير بالغ الأهمية، وذلك لأن أغلب التغييرات السياسية والقانونية التي طرأت على ضفتي الأطلنطي -مثل المجلس العسكري الأعلى والبرلمان إلى جانب العديد من المؤتمرات في الأمريكيتين التي عقدها المجلس العسكري والعديد من الدساتير والقوانين الجديدة- قد حدثت باسم الملك. خلال تواجده في إسبانيا، أدرك فيرناندو السابع الدعم الكبير الذي تلقَّاه من المحافظين من عموم السكان ومن الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية، لذلك في 4 مايو، رفض فيرناندو دستور إسبانيا لعام 1812 وأمر باعتقال الزعماء الليبراليين الذين أقروا الدستور في 10 مايو. برَّر فيرناندو أفعاله بأن الدستور وغيره من التغييرات قد أجراها أحد المحتشدون في غيابه ومن دون موافقته. أعلن أيضًا أن جميع الدساتير والقوانين المكتوبة في أمريكا الإسبانية باطلة وطالب باستعادة الدستور السابق والمؤسسات السياسية.
في الواقع، شكَّلت تلك الأحداث انفصالًا نهائيًا عن مجموعتين كان من الممكن أن يتحالفا لصالح فيرناندو السابع: الحكومات المستقلة، التي لم تعلن بعد الاستقلال الرسمي، والليبراليون الإسبان الذين أنشأوا حكومة تمثيلية تتضمن بشكل كامل على الممتلكات الخارجية، واعتُبرت بديلًا للاستقلال من بعض السكان في إسبانيا الجديدة (المكسيك اليوم) وأمريكا الوسطى وحزر الهند الغربية الإسبانية (منطقة الكاريبي) وفنزويلا والكيتو (الإكوادور) والبيرو والبيرو العليا (بوليفيا) وتشيلي.
وقد حافظت مقاطعات غرناطة الجديدة على استقلالها عن إسبانيا منذ عام 1810، على عكس فنزويلا المجاورة إذ تبادل المَلَكيون والقوى المؤيدة للاستقلال السيطرة على المنطقة عدة مرات. ولتهدئة فنزويلا واسترداد غرناطة الجديدة، نظَّمت إسبانيا عام 1815 أكبر قوة مسلحة وأرسلتها إلى العالم الجديد، والتي تتألف من 10500 جندي وحوالي ستين سفينة حربية. وعلى الرغم من أن هذه القوة كانت حاسمة للغاية في إعادة تشكيل منطقة مؤيدة للاستقلال مثل غرناطة الجديدة، إلا أن الجنود قد انتشروا في مختلف أنحاء فنزويلا وغرناطة الجديدة والكيتو والبيرو ما أدَّى إلى خسارتهم بسبب إصابة العديد منهم بالأمراض الاستوائية، الأمر الذي أدى إلى إضعاف عزيمتهم. والأهم من ذلك أن أغلب القوى الملكية تألفت من الأميركيين الإسبان وليس من جنود شبه الجزيرة. أما بعض الأمريكيين الإسبان المعتدلين، فقد قرروا الانتظار ورؤية النتائج. في الواقع، في مناطق إسبانيا الجديدة وأمريكا الوسطى والكيتو، وجد الحُكّام أنه من المناسب التخلي عن هذه المجموعات الدستورية المنتخبة لعدة سنوات من أجل منع نشوب أي صراع ضد المجتمع المحلي. ومع ذلك، استمر الليبراليون على جانبي الأطلسي بالتآمر بهدف إعادة المَلَكية الدستورية، لكنهم نجحوا في نهاية المطاف عام 1820. ولعل أكثر الأمثلة الدراماتيكية على التعاون عبر حلف الأطلسي تلك الرحلة التي قام بها مارتين خافيير مينه إي لايرا إلى تكساس وشمال المكسيك في عامي 1816 و1817.
انضم الأمريكيون الإسبان في المناطق المَلَكية الذين أيدوا الاستقلال بالفعل إلى حركات حرب العصابات. وقد حددت أفعال فيرناندو السابع مناطق خارجة عن سيطرة الجيوش المَلَكية من أجل الحصول على الاستقلال الكامل. وقد أدركت حكومات تلك المناطق، التي ترجع أصولها إلى عام 1810 -وحتى المعتدلين الذين تصالحوا مع الملكية- الحاجة إلى الانفصال عن إسبانيا في حال اقتضى الأمر حماية الإصلاحات التي أقرُّوها.